بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 7 سبتمبر 2014

ما معنى الإسلام دين ودولة؟

marzoukiaboouyaarub
مركزتيفاوت الإعلامي
البروفيسور أبو يعرب المرزوقي

أعلم أن اشباه المثقفين المسيطرين على الساحة الإعلامية لن يرضيهم مثل هذا الكلام وسيضمون صاحبه إلى مطالباتهم وضع اسمه على قائمة الإرهابيين : فهذه وسيلتهم الوحيدة لإخفاء أميتهم. إذ يكفي أن يخلطوا بين اعتبار التطوع في مقاومة الظلم حرية شخصية-كما يفهم ذلك الغرب نفسه الذي لم يعارض مشاركة أبنائه في كل معارك العالم باسم حرية الضمير وحرية التطوع- وبين توظيف الناس للقيام بالمشاركة في الحروب كما لاحظت ذلك عند أحد الأغبياء الذي له خصومة مع الجزيرة فأراد أن ينتقم منها بقذفي بما لا يخرخ إلا من الأفواه البخراء أو أحد كلاب النقابة الذين أقعدوا التربية بجهلهم وأفلسوا الدولة حتى بتعنترهم على الحكومات الضعيفة التي تستجيب لابتزاز البلطجة النقابية.


لذلك فإني أنبه على من لا يعنيه الفهم العقلي للقضايا التي تعطل مسيرة الثورة في أقطار الوطن العربي ودار الإسلام وأنصحه أن يتجنب قراءة هذا النص فلا يولي أهمية لما لن يطيق عليه صبرا. واقترح على من لا يميز بين العقل بمعناه الدقيق الجامع بين طلب الحقيقة والعمل بها والتعاقل الذي يغنيه تبرير أحكامه المسبقة أن يعتبر هذا البحث من التجريدات الذهنية التي لا تهم الواقعيين والبراجماتيين.
فاحتقار التأمل والإيغال في التخبط والارتجال لم يعد عيبا خاصة إذا فتح باب الزعامة السياسية والثقافية للطحالب. والخلط بين ثمرات غسيل المخ الاستعماري مسخا وتقليدا للمظاهر عند أدعياء الحداثة وإرادة التحديث المستقل التي لا يعارضها أي إسلامي متمكن من الفكر الحديث لا يمكن تحرير الرأي العام ما دام المتصدرين لإبعاده عن حقيقة وضعه لا يدركون أن التحرر ممتنع من دون استعادة الدور في مجريات العالم وأن ذلك غير ممكن من دون استيعاب كل مكتسبات الحداثة المبدعة:
في العلوم النظرية أو الطبيعية لذاتها ولدورها في السلطان على الطبائع.
وفي العلوم العملية أو الإنسانية لذاتها وفي السلطان على الشرائع.
صيغة أولية للإشكالية
إنما أكتب هذه المحاولات لشباب الثورة حتى يكونوا جامعين بين قيم الإسلام الأصيلة وقيم العقل الحديثة في تناغم هو جوهر ما يدعو إليه القرآن الكريم الذي جعل مطلوب الإنسان تحقيق شروط استعماره في الأرض بقوانين الأخلاق الكونية. والمعلوم أن من أهم المعارك التي لم تتوقف منذ بدء المعلوم من التاريخ الإنساني المعركة التي تدور حول مسألة العلاقة وصلا أو فصلا بين الديني والسياسي بوصفهما ضربين من فاعليات الإنسان فاعلياته ذات السلطان عليه فكرا وسلوكا.
وهذه هي المعركة الأم في ثورة شبابنا الحالية. حسمها النظري أساسي وهو يساعد على التقدم في الإنجاز العملي. لذلك أخصص لها الوقت الضروري لإيماني بأن جيلي لم يعد له القدرة على مساهمة غير التي يمكن أن تأتي من تكوينه الجامع بين الثقافتين دون تبعية لقيم انحطاطيهما. وقد سبق لي أن قدمت جوابا بينت فيه أن الكلام على الوصل والفصل بينهما ليس دقيقا ما لم نميز بين الفعاليتين الموصولتين بالجوهر وتعينيهما المؤسسيين المفصولين بالجوهر كذلك:
فمن حيث الفعالية لا يمكن للسياسي أن ينفصل عن الديني ولا للديني أن ينفصل عن السياسي, لأنهما وجهان متصلان من انتظام حياة الجماعة في الأذهان:
1-ومن حيث التعين المؤسسي لا يمكن ألا ينفصل الديني عن السياسي ولا السياسي عن الديني لأنهما وجهان منفصلان من انتظام حياة الجماعة في الأعيان.
2-ومن ثم فالوصل بينهما علته عدم قابلية بعدي الوجود الإنساني باطنه وظاهره أو روحه وجسده للفصل. والفصل الضروري بينهما علته التراتب بين البعدين في عملية التأثير على سلوك الإنسان بمقتضى اختلاف نوعيه:
1-فالمقدم في التأثير الديني هو الباطن والروح أو إن شئنا محاولة التأثير في الظاهر بالتأثير في الباطن ومن ثم فالدين فاعلية تربوية تؤثر بالرموز خاصة.
2-والمقدم في التأثير السياسي هو الظاهر والجسد أو إن شئنا محاولة التأثير في الباطن بالتأثير في الظاهر ومن ثم فالسياسة فاعلية تربوية تؤثر بالأفعال خاصة.
وإذن فعلة الوصل بينهما هي الغاية التربوية الواحدة. وعلة الفصل بينهما هي طريقة تحقيق تلك الغاية وأداتها. ويمكن في عجالة أن نبين ذلك من خلال تحليل مسار فاعلية التأثير بتحديد البداية والغاية منه وذلك من خلال طبيعة التأثير فيهما كليهما. فهما مساران متقابلان لأن بداية أحدهما هي غاية الآخر وطبيعة التأثير المختلفة توجب مع ذلك حاجة كل واحد منهما إلى الآخر حاجتهما التي تعود في الأصل إلى التلازم بين مقومي الإنسان اللذين هما موضوع التأثير أعني باطن الإنسان وظاهره أو روحه وجسده:
1-فلما كان ما ينطلق منه الديني من عالم الغيب في الإنسان أي باطنه أو روحه فإن تأثير الدين في عالم الشهادة يستمد من قوة الغيب. وقوة الغيب القصوى هي التذكير بالحساب الأخروي وما فيه من جزاء وعقاب. فيكون سلطان الدين هو سلطان القوة الروحية بأداة التأثير الرمزي.
2-ولما كان ما ينطلق منه السياسي في الإنسان من عالم الشهادة في الإنسان أي ظاهره أو جسده فإن تأثير السياسة في عالم الغيب يستمد من قوة الشهادة. وقوة الشهادة القصوى هي تحقيق الحساب الدنيوي وما فيه من جزاء وعقاب. ويكون سلطان السياسة هو سلطان القوة المادية بأداة التأثير الفعلي.
3-ولما كان التأثير الرمزي معرضا لخطر فقدان كل فاعلية إذا ظل رمزيا فحسب ولم يكن لديه القدرة على التصدي للقوة المادية فإن الديني يحتاج إلى السياسي ليسند سلطانه.
4-ولما كان التأثير الفعلي قد يفقد كل شرعية إذا ظل ماديا فحسب ولم يكن لديه القدرة على التصدي للقوة الرمزية فإن السياسي يحتاج إلى الديني ليسند سلطانه.
5-فإن التلازم بين الديني والسياسي يصبح من الحقائق العمرانية التي يمثل اكتشافها أساسا لفهم العلاقة بين القوة والشرعية في المجتمعات الإنسانية وهو ما اكتشفه ابن خلدون فوضع القاعدتين التاليتين بل هو جعلهما عنوانين لفصلين من المقدمة أحدهما يضع أن الدين بحاجة إلى العصبية حتى ينجح وأن العصبية تزداد قوة بفضل الدين.
ذلك هو الحل الذي عرضته سابقا وتلك هي تعليلاته وتأصيله في الفكر الخلدوني. لكني لم أذهب إلى العلل الأعمق التي تبين ضرورة هذه العلاقة بين الديني والسياسي وصلا بينهما أو فصلا من خلال صلتهما بمدخلي التأثير في الإنسان. فعندما كتبت ذلك لم تكن الثورة قد حصلت بل هي لم تكن خاطرة على بال أحد. لكن الآن وخاصة في الموجة الثانية منها تبين أن المشكلة الجوهرية في حاضر حضارتنا هي عينها المشكلة الجوهرية في ماضيها. فهي قد كانت مدار الحرب الأهلية الأولى التي تسمى بالفتنة الكبرى صداما بين تصورين لهذه العلاقة يمكن عرضهما بالاعتماد على أكبر متكلمي السنة كالغزالي وابن خلدون:
1-التصور الشيعي الذي يعتبر الدولة دينية بالجوهر لكون الحكم حقا إلهيا للموصى بهم أي الأيمة وليس بالاختيار.
2-التصور السني الذي يعتبر الدولة مدنية بالجوهر لكون الحكم ليس حقا إلهيا بل هو بالاختيار لكونه عملا اجتهاديا لرعاية الصالح العام.
وها هي قد أصبحت مدار الحرب الأهلية الثانية التي تسمى بالربيع العربي صداما بين تصورين لهذه العلاقة يمكن عرضهما على النحو التالي لكوننا لا نجد صوغا لهما بمستوى صوغ الإشكالية عند علمائنا القدامى:
التصور العلماني الذي يعتبر الدولة علمانية بالجوهر لكون الحكم معبرا عن إرادة الجماعة بكل أبعاده بما في ذلك التشريع ليس القانوني فسحب بل وكذلك الخلقي والقيمي بحيث لا يوجد شيء يتعالى على الوضع الإنساني بما يعني أن التصور ضميره عدم الاعتراف بما يتعالى على البعد الدنيوي من وجود الإنسان.
التصور الإسلامي الذي يعتبر الدولة ليست علمانية وبالذات لأنها تعبر عن إرادة الجماعة التي تخضع السياسي لما يتعالى عليه فلا يكون للدولة حق التشريع في القيم بل في آليات تحقيقها والاستفادة منها. ومن ثم فتشريعها مقصور على ما لا تضعه الجماعة فوق الوضع الإنساني للإيمان بما يتعالى على الوجود الدنيوي.
ما معنى الإسلام دين ودولة
وهكذا تكون الصلة بين الديني والسياسي وصلا وفصلا هي عين الصلة بين وجهي الوجود الإنساني المتلازمين ولكن بتصورين مختلفين للوجود الإنساني حصرا إياه في ما هو دنيوي أو تحريرا من هذا الحصر. وقد كان علاجي السابق هادفا إلى الكلام على الإشكالية للرد على خطأ القائلين بالفصل المطلق وعلى القائلين بالوصل المطلق على حد سواء. وكنت ولا زلت أقدم موقفي في هذه القضية على أنه لا يعني رفض الدولة العلمانية والدولة الدينية في آن فحسب بل هو يدعي العرض الأمين للنظرية القرآنية في طبيعة الدولة ذات الغاية الروحية والأداة المادية وصلة هذه الطبيعة بمبدأي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهادا سلميا في الداخل والخارج مع الاستعداد للجهاد المسلح فيهما بمعنى القوة الشرعية للدولة في الداخل والدفاع الشرعي في الخارج.
وحينئذ فالمشكل لن يبقى العلاقة بين الديني والسياسي عامة بل هو يتعين فيصبح محاولة لفهم المقصود بكون الإسلام دينا ودولة.
لذلك فما أريد علاجه الآن هو الشروط ينبغي تحققها لكي يكون "الإسلام دينا ودولة" علاجا يبين المفهوم الفلسفي العميق الذي يؤسس هذه الفكرة في الذهن وفي العين معا. ومنطلق البحث هو مسألة العلاقة بينهما باعتبارها علاقة بين نوعين من سلطان الإنسان على نفسه أو على غيره بتقديم وتأخير. فهو قابل لأن ينطلق من النفس ويتعدى إلى الغير وقابل لأن يرتد من الغير إلى النفس سواء كان دينيا أو سياسيا مع ما يمكن أن يصلهما إيجابا وسلبا لجعل هذا السلطان محققا لوظيفته التي هي تربوية في الحالتين أي إن هدفها هو تكوين الإنسان روحيا ومدنيا بالأخلاق والقانون.
ويعد هذا السلطان فاعلية من فاعليات صاحبه. لذلك فهو ذو سلطان عليه إذ غالبا ما يغري السلطان صاحبه فيستغله. وهو قد يغريه باستعماله في غير وظيفته الذاتية له فيكون بحاجة إلى سلطان عليه جزءا من سلطان النفس على ذاتها: وذلك هو معنى التقوى التي هي مجاهدة النفس بمعنى حضور الوعي بالرقابة الإلهية في كل الحركات والسكنات.
ولما كان هذا النوع الثاني من السلطان على السلطان من رتبة ثانية وكان لا يمكن ألا يأتي إلا من أحد هذين السلطانين لعدم وجود غيرهما فإنه يكون إما تدخلا من الديني في السياسي أو من السياسي في الديني. فينتج عن ذلك خلط يكون في غالب الأحيان مصدر الوهم بالتطابق بينهما. وقولنا هذا شبه تسليم بأن السلطان نوعان لا غير بسبب مكوني الإنسان اللذين هما مصدراه وموضوعاه. لكننا نحاول أن نثبت عدم وجود سلطان آخر عدا هذين السلطانين إلا ما كان متفرعا عنهما إما بالانحطاط الذي يصيبهما أو بالسمو إلى ما يحفظهما من هذا الانحطاط أعني نفي أحدهما باسم ثانيما دينيا وفلسفيا مكتفين بالإحالة لتجنب الإطالة: ابن خلدون في المقدمة وأفلاطون في المقالة العاشرة من الشرائع:
1-وأول المتفرعين الموصل إلى الانحطاط هو جعل السياسي خاضعا لمبدأ حق القوة (=الإخلاد إلى الدنيا والطبائع): وهذا ناتج عن نفي ما يتعالى على الدنيا.
2-وثاني المتفرعين الحائل دون الانحطاط هو جعل السياسي خاضعا لمبدأ قوة الحق (=الإيمان بما يتعالى على الدنيا أي بالشرائع). وهذا هو الإيمان بما يتعالى على الدنيا.
عناصر الإشكالية وطبيعة تعالقاتها
ولما كان السلطان الواصل والفاصل بين الديني والسياسي هو أمر يكون موضوع سلطته ومجالها مادة للصراع بينهما عليهما فإن الإشكال ليس فيه بل في تحديد طبيعة هذه المادة وسهمهما منها بحيث هي التي تحدد طبيعة الصراع وهدفه ومداه وانحرافاته الممكنة. فنكون أمام المعادلة ذات المقومات التالية:
1-فالسلطان سواء كان دينيا أو سياسيا هو حيز الصراع وهدفه مع التباس حول ما فيه من مطلوب لذاته ومن مطلوب لغيره لأن السلطان إذ يحصل يصبح وسيلة لما يحققه من مغانم لعلها هي الغاية القصوى.
2-وعلة الفصل الممتنع بينهما هي علة الفصل الممتنع بين المدخلين للتأثير من الباطن إلى الظاهر أي من الروح إلى الجسد (الدين) أو العكس (السياسة). كما أن علة الوصل الواجب بينهما هي علة الوصل بين بعدي الوجود الإنساني باطنه أو روحه وظاهره أو جسده.
3-والقسمة الحاسمة بين هذين البعدين من كيان الإنسان هي عينها علة القسمة الحاسمة بين سهم الديني من وجوده وكيف يزاحمه السياسي فيه وسهم السياسي من وجوده وكيف يزاحمه الديني فيه.
4-والتزاحم الحاصل نوعان أحدهما حسمه ممكن بل وواجب هو طبيعة الفاعلية أعني التأثير الخلقي الرمزي (الدين) والتأثير القانوني الفعلي (السياسة) والثاني حسمه شبه ممتنع ويتمثل في أن الخلقي الرمزي وحده لا يكفي من دون الحماية الفعلية بالقانون والفعل السياسيين لمن يتجاوزه بالقوة والقانوني الفعلي وحده لا يكفي من دون الحماية الرمزية بالأخلاق والرمز الدينيين (أو أي أساس متعال للشرعية).
5-الوضعية المضاعفة: هي الصراع بين القائلين لتبعية الديني للسياسي والقائلين بتعبية السياسي للديني. وكلاهما صحيح وغير صحيح في آن. فالديي تابع للسياسي من حيث حماية وجوده في الأعيان. والسياسي تابع للديني من حيث حماية وجوده في الأذهان.
والمشكل الحقيقي إذن في عدم التطابق بين ما في الأذهان وما في الأعيان. والسياسي الذي يعنى بما في الأعيان إذا انفصل عما في الأذهان يصبح العنف المادي المجرد أي الظلم أو الاستبداد. والديني الذي يعنى بما في الأذهان إذا انفصل عما في الأعيان يصبح العنف الرمزي المجرد أي الفساد أو النفاق.
وإذن فالسلطان دينيا كان أو سياسيا مطلوب غاية لذاته ومطلوب وسيلة لغيره. والقسمة بين السلطانين في الطلب الأول من المفروض ألا تكون موضع تزاحم لبينونة حقيقته (سلطان على الأذهان والقلوب مقابل سلطان على الأبدان وأفعالها). وإنما التزاحم بينهما فيتعلق بالمطلوب الثاني. ولو كان صاحبا السلطانين يرضيان بسلطانهما الأول لما وجد الخلاف لكن كلا منهما يريد أن يستغل سلطان الثاني:
فالديني يريد سهما من النفوذ الدنيوي بسبب إخلاده إلى الأرض.
والسياسي يريد سهما من السلطان الأخروي لتغطية ظلمه واستبداده.
دور الدين السوي نظريا وعمليا
فتكون علة التزاحم الأساسية هي التزاحم على تقاسم الحظ من الدنيا المستمد من السلطان السياسي بتبرير مستمد من السلطان الديني. وذلك هو ما ركزت عليه سورة آل عمران عندما بينت طبيعة الحلف المدنس بين رجال الدين ورجال الدنيا وكونه سببا في التحريف الناتج عن الإخلاد إلى الأرض. وجوهر الحل الإسلامي لهذه العلاقة من العمق بحيث إنه إن ركنه الأساسي ظل إلى حدا الآن شبه مجهول. ولهذا الحل عملي سياسي ونظري خلقي نكتفي هنا ببيانه على الإجمال بحكم سعة المجال:
1-فعمليا خلقيا جعل الإسلام تدخل السلطان الديني في السلطان السياسي مقصورا على وظيفة الحد من هذه المقايضة بين النخبة الدينية والنخبة السياسية من أجل تبرير الظلم أو الاستبداد بالنفاق أو الفساد. وهذا هو أساس دور الثقافة في السياسة والاقتصاد.
2-ونظريا جعل الإسلام تدخل السلطان الديني في السلطان المعرفي مقصورا على الحد من دعاوى الإطلاق في المعرفة العقلية التي تتجاهل الغيب قيسا له على الشهادة فتحول دون الاجتهاد النسبي المانع من التطرف والجمود. وهذا هو دور التربية في السياسة والاقتصاد.
فيكون السلطان الديني نهيا عن المنكر وأمرا بالمعروف بهذا المعنى النظري في المعرفة وبهذا المعنى العملي في السياسة. وهو واجب كل المؤمنين فرض عين وليس سلطان سلطة فوقهم حتى وإن كان المؤمنون يفوضون أحيانا من يثقون فيهم من علمائهم ما يجعل السياسة خاضعة لمجتمع مدني خلقي ديني بالأساس وخاصة في ما يتعلق بما تعتقد الأمة أنه مما يتعالى على الدنيوي. وبذلك فليس السلطان الديني إلا كابحا للنزوات التي تحول دون السياسي والمعرفي من أن يكونا في خدمة الحقيقة والحق: من هنا كان اعتبار الشافعي السورة القرآنية التي حددت هذا الدور المضاعف بأنها لو أتت وحدها لكانت كافية لأنها جامعة لهدفي الرسالة. فهي تعرف هذا السلطان عند الفرد بأنه الإيمان والعمل الصالح وتعرفه عند الجماعة بأنه التواصي بالحق في النظر وذلك هو جوهر الإيمان الحاد من دعوى العلم المطلق مصدر كل تطرف وتعصب والتواصي بالصبر في العمل وذلك هو جوهر العمل الصالح الحاد من دعوى العمل المطلق مصدر كل كبر وجاهلية.
والمعلوم أن السلطان الديني له وجهان سلطان مستند إلى الوجود الفعلي لمقوماته وسلطان مستند إلى ظاهر من وجود مقوماته. وكذلك الشأن بالنسبة إلى السلطان السياسي. لذلك نقف أمام مشكل عويص ليس هذا محل علاجه لكنه يترتب حتما عما تقدم من التحليلات: إنه مشكل ثنائية المزيف والحقيقي التي تقتضي تدخل أمر عسير التحديد يجعل المزيف يحصل أولا وينطلي ثانيا فيكون له مفعول قريب من مفعول الحقيقي. ويكفي هنا ختما لبحثنا الذي طال أكثر مما ينبغي أن نقدم علامة التزييف التي تؤدي وظيفة العرض الذي قد يمكننا من الانتقال منه إلى علته بالمعنى الطبي. والعلامة حددها القرآن الكريم باعتباره تغير وظيفة الديني من سطلة الحد من السلطان السياسي والمعرفي إلى المشارك معهما بمساعدتهما على جعل المزيف يبدو حقيقيا في العمل (مع السياسي) وفي النظر (مع المعرفي). وهذه العملية ذات مستويين: مستوى الشاهد ومستوى الراوي. وهما يمثلان الآن التعين المشهود لسلطان التزييف:
1-والأول هو شهادة الزور أي الوجه الديني من التزييف ويمكن تعميمه على كل ذي سلطان قيمي يشهد بغير الحق.
2-والثاني هو إعلام الزور ويمكن تعميمه على كل ذي سلطان معرفي وإعلامي ينشر ما ليس بحق من الشهادات.

ليست هناك تعليقات: