بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 21 فبراير 2013

اللحظة الاحتفالية الراهنة ..!!؟

عمان - عز الدين أحمد البرغوثي
والجبهة الديمقراطية تحتفل بالذكرى الرابعة والأربعين لقيامها في 22 شباط (فبراير) من العام 1969، أعلنت عن إنتهاء أعمال المؤتمر العام السادس لها،
الذي عقد على عدة حلقات متباينة وموزعة ما بين الضفة وغزة وسوريا ولبنان، حيث نوقشت فيه الوثائق التنظيمية والسياسية والمالية والبرنامجية، وتبناها المؤتمر بعد إدخال التعديلات ، وأعاد المؤتمر إنتخاب اللجنة المركزية مع توسع شمل اكثر من ربع الاعضاء [اللجنة المركزية التاسعة] والتي بدورها عملت على تزكية واعادة الرفيق العجوز نايف حواتمه أميناً عاماً لها، ولأول مرة بعد تغييب منصب النائب أو الأمين العام المساعد، تمت تسمية الرفيقين قيس عبد الكريم السامرائي(أبو ليلى) و فهد سليمان نائبين للأمين العام. وتمت تسمية مكتبها السياسي من الرفاق التالية أسماؤهم: تيسير خالد، صالح زيدان، هشام أبو غوش، رمزي رباح، علي فيصل، عبد الغني هللو (أبو خلدون)، ماجدة المصري، زياد جرغون، عبلة ابو علبة، خالدات حسين، معتصم حمادة (إلياس)، محمد خليل (أبو سعدو)، إبراهيم أبو حجلة (أسير)، و تم التوسع بالرفاق صالح ناصر (أبو ناصر)، محمد سلامة، خالد عطا، جمال الهندي.
ورغم بعض الصعوبات والمشاكل التي واكبت إنعقاد هذا المؤتمر على حلقات في الضفة وفي غزة، والظروف المعقدة التي تمر بها سوريا، وعلى إمتداد انعقاد دورات متوالية عدة، ابتداء من شهر حزيران 2012، فإن قيادة الجبهة، وفي ظل تصميمها - استطاعت أن تعقد مؤتمرها العام السادس بنجاح تام، وأن تستجيب لمتطلباتها وقراراتها، التنظيمية والسياسية والإدارية والأمنية المختلفة، واستطاعت أن تعزز هيكلتها الداخلية من خلال بناء موسع للجنة المركزية والمكتب السياسي التنفيذي ولجنة الرقابة الحزبية. يضمن لها البقاء والاستمرارية في قيادة عموم أعضاء الجبهة وهيئاتها الأخرى.
وحسب ما نشر فقد تشكل قوام المؤتمر من 450 مندوباً، يمثلون 50 ألف عضو (!!؟) من المنظمات الحزبية والديمقراطية، وحسب ما وزع من بيانات فقد شكل ما يقارب ال 60% منهم الأراضي المحتلة أي غزة والضفة، وحوالي 40% الشتات اغلبهم في سوريا ولبنان حيث شكلت سوريا 10% ولبنان 25% وباقي التجمعات 5%، حيث تمت عملية حضورهم أو استحضارهم المؤتمر ضمن لائحة صيغت للنجاح المتوقع من القاعدة وصولاً إلى هيكلية تسمى بالمؤتمر العام. التي إنعقدت بنصاب تجاوز الـ 80%.
أما اللجنة المركزية التاسعة التي تمت تزكية أفرادها من اللجنة التحضيرية للمؤتمر فقد نجح منهم 115 عضوا لعضويتها، حيث بلغت نسبة التوسع (الأعضاء الجدد) 35% ، يتوزعون على كل إقليم ومن مختلف جميع الهيئات الحزبية.
وقد تبنى المؤتمر تغيير معنى الحزب من "حزب ديمقراطي ثوري" إلى " حزب يساري ديمقراطي" أي تم الغاء كلمة ثورة من قاموس النظام الداخلي. باعتبار أن كلمة ثورة هو تعبير غامض وغير مفهوم فاعتبره المؤتمر "غير رائج"  الآن ّضمن مصطلحات الثورات الحديثة الأكثر مرونة!!؟
وتم تغيير كثير من النصوص التي تتلاءم وتعزيز التحالفات الداخلية بين مستثمري الجبهة وقطاع "صغار الكسبة" المتعيشين من استمرار وجود هياكل الفصائل الفلسطينية العظمية وسائر مكوناتها الانتهازية"على خدود الرابع من حزيران 1967" لانجاز مهام التحرر الثوري" الذي تلعب فيه الطبقة العاملة وصغار الكسبة دور الوقود لسيادة البرجوازية الطفيلية والكومبرادورية التي تقود الجبهة منذ 44 عاما حيث نمت البيروقراطية ومجموعات التساوق مع مشاريع الحلول العباسية والعريقاتية والقريعية التي تنتقص وانتقصت من حقوق الشعب الفلسطيني بمهادنتها الاحتلال وارتهانها لاملاءاته واملاءات أمير قطر وملوك وأمراء النفط والدعارة العربية.
وقيادة الجبهة سارعت إلى ركوب موجة التفريط منذ اعلان ما يسمى بالبرنامج المرحلي، وغدت بين ليلة وضحاها تعد العدة لتمرير هذا البرنامج التفريطي. وبدأت من حينها (1974) الدعوة ظاهراً أو باطناً للبدء في تسوية الحساب مع خصوم أو أنداد أو التحريض على استبعاد فلان واستئصال علان؛ ليحلو لهذه الطغمة المهيمنة ان تظل في مركز التحكم المباشر.
وفي نهاية هذه المداخلة ولتسجيل ما يمكن تسجيله هنا فإن التحولات التاريخية الكبرى شهدت العديد من التجارب الاستئصالية التي طواها الزمن ومعها العديد من الشخصيات الاستئصالية أيضاً ، ولم تخلّد لنا صفحات التاريخ إلا أسماء أولئك الذين استهدفوا بالاستئصال. فأين أولئك الذين امتحنوا ابن حنبل وأرادوا استئصاله من المشهد السياسي؟ وأين أولئك الذين امتحنوا ابن حزم وحرقوا كتبه كلها؟ وأين أولئك الذين استهدفوا تروتسكي؟ وماذا جنى مكارثي بعد حملته المسعورة على مثقفي وفناني أميركا سوى اللّعنات؟ وماذا تبقى من الثورة الثقافية في الصين؟
دائماً وأبداً ، اثبت "قادة" الاستئصال حقيقة أنهم رد فعل مؤسف لما عانوه أو خبروه ، وأنهم عبر إصرارهم على تجيير كل شيء لهم وباسمهم والإثخان في حقوق الآخرين وإعادة إنتاج مافيات جديدة في ظل انتهاء عهد المافيات عند مؤسسيها الصهاينة ومن ركب موجتهم ، ومهما حاولوا عبثاً تطهير أنفسهم والتخلص من شعورهم الممض بالذنب والتقصير في الأوقات الحرجة فهم ما يزالون في نظر الشعب الفلسطيني حثالة من الساقطين والمحتالين وسماسرة السياسة التفريطية. وعبثاً يحاول هؤلاء الاستئصاليون احتكار اللحظة التاريخية باشاعة ان هناك أطرا حزبية وتركيبة نضالية ما أو أن هناك ما يطلق عليه "أمين عام" أو "سكرتير عمل حزبي" ما أو "مؤتمر" سادس أو عاشر ، هم فقط يريدون اختطاف الفرح الجمعي العارم ، عبر الإيحاء بأنهم الوحيدون الذين يملكون حقوق فهم وترجمة وتفسير ما حدث. وعبثاً يحاول هؤلاء الاستئصاليون توريط الآخرين في اختزال هذا الفهم عبر هجاء مطوّل للواقع المنقضي أو عبر مديح مطوّل للممكن الآتي ، وكأن أبناء الشعب الفسطيني ملزمون بتسديد هذا الحساب بدلاً من انخراطه في جدل اللحظة الراهنة ، انخراطاً عقلانياً نقدياً ، بعيداً عن هدير الهجاء أو هدير المديح.
والطريف في الأمر ، أن الذاكرة الثقافية الفلسطينية والعربية المعاصرة ، ورغم كل محاولات الاستئصال السياسي والعقائدي في التنظيمات الفلسطينية المتعددة والانظمة العربية ، خلّدت طه حسين المحافظ سياسياً بأقلام يسارية ، وخلّدت العقاد المحافظ سياسياً بأقلام يسارية ، وخلّدت نجيب محفوظ المحافظ سياسياً بأقلام يسارية ، وهو ما يؤكد أن التدثر الاستئصالي بوهج اللحظة التاريخية يمكن أن يتكفل مؤقتاً بقليل من تسويات الحساب الصغيرة ولكنه لن يتكفل بشيء على المدى البعيد. كما يؤكد أن ما يخلّد مثقفو الشعب الفلسطيني هو وجهات النظر المترعة بالمضمون الفكري العميق وليس بالمواقف المعبّأة بالشعارات والإدانات والإنشاءات البلاغية والمؤامرات والارتباطات الامنية والتجسس والملاحقات وقطع الارزاق والفصل المتعمد من العمل. وما دمنا نحتفي بالذكرى 44 لما يسمى بالانطلاقة، فإن أبسط مقومات الاحتفاء تتمثل في إشراع أبواب ونوافذ الحوار الشامل والجاد والمثمر وليس اغلاق الابواب على مؤتمرات مصطنعة ومبرمجة سلفا كان بامكان لجنتها التحضيرية اعداد هذا البيان الخدعة بعد يومين من انعقاد جلستها بالازبكية قبل تسعة اشهر. لأن هناك من يصرون على أن يروا في اللحظة الاحتفالية الراهنة الشيء ونقيضه. كيف يمكننا أن نلتحم باللحظة الاحتفالية الراهنة وندّعي قدرتنا على استقرائها ، فيما نحن نتناقض معها وننقضها عبر إصرارنا غير الجدلي على التصنيف وإطلاق الأحكام التي تصل حدود التخوين؟، كيف يمكننا أن نتوحد على إطلاق أمل جديد وفكر جديد ومنهج جديد فيما نحن نزداد اختلافاً على المسلّمات والبديهيات والأوليّات؟، كيف يمكننا محاورة الواقع في ظل استمرار تمترسنا بأغلوطة مؤداها أننا على حق دائماً حتى لو اخطأنا وأن النقد والإصلاح مخطئ دائماً حتى لو أصاب؟، وكيف تصبح الدعوة للولاء والخنوع  دليلاً على الإخلاص بالضرورة وتصبح الدعوة للعمل الفعلي والنجاح دليلاً على التخاذل بالضرورة؟ كيف لا نرتفع إلى مستوى اللحظة الاحتفالية الراهنة عبر التسليم بحقنا المطلق في الحوار وفي الاختلاف دون أن يودي ذلك بما بيننا من احترام ومودة ؟.. كيف -  وألف كيف لتجعلنا نلتحم باللحظة الاحتفالية هذه بشكل حقيقي!!؟.


ليست هناك تعليقات: