عبد الرحيم إدوصالح.
آثار انتباهي البيان الأخير لتنسيقية الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، بملاحظة مختلف التعاليق حوله من طرف المتتبعين عموما و السادة الأساتذة خريجي الحركة الثقافية الأمازيغية تحديدا ، حين عبروا عن رفضهم لمضامين البيان في بنيته المفاهيمية المُنتمية لخطاب لا يرتبط بالواقع المادي الآني ، خطابٌ مُستهلك قادمٌ من القرن التاسع عشر، و ما كان أبرز الناقدين لهذا البيان إلا من خريجي MCA، الأستاذة المُؤَطرون فكريا، القادمون من مدرسة علمت خريجيها مبدأ النسبية أولا، فلقد انتقد مناضلو الحركة الثقافية الامازيغية الخطاب الإشتراكي سلفا و بينوا فشل منهجه في تحليل الواقع الإجتماعي بشكل علمي، و أبانوا بالتالي عن وقوعه في متاهات نظرية و ممارساتية في تحديد بديل لخروج الشعوب من أزماتها اقتصادية كانت أو اجتماعية.
نعتبر أن رفضَ خريحينا لهذا البيان كان صائبا و منطقيا و من الواجب أن يكون، لأننا نذرك أن كل خطاب فاشل اجتماعيا و نظريا عليه أن يعترف أولا بقصوره و يبحث عن أسباب فشله فيُعيد ترتيب أوراقه و تحديد منطلقاته، و ليس بإعادة تجربة نفس الخطاب الفاشل كُلما ظهر تنظيم جماهيري يسعى لتحقيق مطلب لحظي محدد.
فإذا كان ما هو تنظيمي في التنسيقية يبقى من مهام السادة الأساتذة وحدهم و لا دخل لنا في ذلك بل نُؤازرهم في ما يتوافقون عليه جميعا، فإنه من اللازم توضيح موقفنا من توظيف التصور الإشتراكي في هذا الوقت بالذات الذي اشتد فيه قمع السلطة لنضالات الأساتذة و صمودهم، خصوصاً حين استطاعت تنسيقتهم خلق انسجام بين تصورات مختلفة نظرياً و متعارضة أو متناقضة أحيانا ، لكنها تتوافق رغم ذلك على مطلب رفض التعاقد ، و ذلك ما أزعج السلطة و أربكها، لكن هذا الإنسجام شهد تصدعا بشكل او بآخر بسبب البيان الأخير، و لأننا نرغب في استمرار التنسيقية كما عهدناها ، فإننا سنحدد بشكل بسيط ملخص الإنزلاقات الفكرية لمحتوى البيان و الجهة المستفيدة من زعزعة قوة التنسيقية .
لا بد للجنة التي صاغت البيان أولاً أن تكون متأكدة بأن المفاهيم المُوظَفة في وثائقها مقبولة فكريا لدى الجميع، لكن العكس هو ما حدث، فكانت النتيجة هي الرفض التام للبيان، فكان من الأجدر بلجنة الإعلام للتنسيقية أن تقوم باختيار مفاهيم مرتبطة بالواقع المعاش، و لغة سياسيةٍ آنيةٍ تستعمل فيها القاموس المتوافقُ عليه من طرف الجميع، ففي البيان نجد مفاهيم و صياغات غريبة من قبيل "المخطط الطبقي" _" الأساتذة أبناء العمال و الفلاحين"_ "أنظمة عميلة"_ "تركيع الشعب"_ "تدمير القوة المنتجة".... الخ.
أعتقد و بكل حياد انه لا يمكن أن نقول مثلا بأن هدف الميتاق الوطني للتربية و التكوين هو تدمير الإسلام مثلا، لكن في نفس الوقت لا يجب تحديده كمخطط طبقي كما ورد في البيان، لأن هناك من سيقول كذلك أن المخطط اللاوطني هدفه تعريب الشعب الأمازيغي، فرغم أن هذا التصور ( التعريب) صحيحٌ ضمنيا ، فإن الحديث عنه يبقى مؤجلاً لانه مجالُ نقاشٍ بين تنظيماتٍ ذات رؤية و برنامج إجتماعي سياسي، و التنسيقية الوطنية لا برنامج سياسي لها و لا نظرية، بالتالي لا مبادئ سياسية لها و لا بديل اجتماعي، لأنها خُلِقة لهدف مؤقت.
إن الإنزلاق الأبرز إذن هو عدم ملاءمة البيان لكافة التصورات السائدة، فمجمل البيانات السابقة للتنسيقية تم الترحيب بها لأنها تتجاوز كل ما هو مُتختَلَفٌ فيه، و بقيت على المطالبة بإلغاء التعاقد فقط، فإدخال خطاب سياسي غريب عن بعض مكونات التنسيقية الأخرى، يزعزع التنظيم و يُعطِل عمله مستقبلا، فالجهة المستفيدة من ذلك هم أولائك الذين شرعنوا التعاقد و جعلوه إجباريا على الأساتذة، فقوة التنسيقية و تماسك أطرافها هو السبب الأكبر الذي جعل الحكومة لا تتجرأ على صياغة قوانين أخرى تكون أكثر تبخيسا للنظام التربوي في وطننا، إضافة إلى ان التنسيقية لم تستمر بتلك القوة الا بتوحدها و وحدتها، لكن احتكار ترسانة المفاهيم من جهة محددة لن يزيد جدار التنظيم الا أنشقاقا.
و عموما، فإني أُناشد رفاقنا المناضلين على البقاء في تنسيقتهم و فتح نقاش داخلي جريئ يعيد النظر في كل الأخطاء السابقة، فالإنسحاب ليس حلا أبدا، فلا نريد أن يتم طردُ أحدكم من طرف مدير مؤسسته الذي اعتبره التعاقد سيدا على الأساتذة المتعاقدين العاملين في مؤسسته، معناه ان التنسيقية هي الحل الوحيد للدفاع عن استقلاليتكم و أن تكونوا موظفين رسميين لدى الدولة و ليس خُدّاماً لدى مدير المؤسسة ، فلا تجعلوا الإختلاف سبباً في الإنسحاب مادام النقاش هو السبيل الأوحد لحل الأزمات.
إننا نقدر و نحترم كل التنظيمات السياسية و إن انتقدناها يوما في الجامعة و فيما بعدها، و هدفنا الأول و الأخير لهذا التحليل هو تقديم تفاعلٍ ينطلق منه السادة الأساتذة بمختلف تصوراتهم لفهم تداعيات هذا التسرع و نتائجه السلبية، كل ذلك من أجل الدفع بالتنسيقية للاستمرار في نضالاتها، و نبقى كذلك متضامنين مع السادة الأساتذة كيفا كانوا و بغض النظر عن مواقفهم السياسية، فالإختلف لا يزعزع رغبة تأسيس تنظيم مرحلي مزدوج.
عبد الرحيم إدوصالح
مراكش 02/05/2021
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق