بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 25 فبراير 2014

من أجل محو أمية قواعد الحياة والعيش المشترك


من أجل محو أمية قواعد الحياة والعيش المشترك

إن خطورة الأمية التي تتعلق بقواعد الحياة والعيش المشترك، و خلاف الأمية التقليدية التي تهم فئات اجتماعية غالبيتها مهمشة، أنها تنتشر بالخصوص وسط النخبة وصناع القرار.
من المفارقات العجيبة، والصادمة للبعض، أن نكتشف أننا مطالبون اليوم بتعلم كثير من الأمور البديهية التي نعتقد أننا قد تعلمناها فعلا خلال طفولتنا، وتزداد المفارقة والصدمة حين نكتشف أن من بين ما ينبغي تعلمه من جديد أمور تتعلق بوظائف طبيعية تتعلق بأساسيات الحياة، مثل التنفس والأكل والجلوس والمشي والتكلم، فضلا عن التفكير ومختلف المشاعر وما إلى ذلك. ونكتشف بذلك أننا أميون في جوانب أخرى من الحياة غير ما يتعلق بفنون الكتابة والقراءة.
إنه مند اكتشاف الكتابة والقراءة والإنسانية تسعى إلى تعميمها على بني جنسها. ولأن قراءة الكلمة وكتابتها كانت على الدوام مفاتيح ترهن مند القدم مستقبل البشرية وتقدمها، فقد ناضلت البشرية باستمرار ضد تلك الأمية. ومع تطور أشكال الكلمة تطورت أشكال محاربة أميتها كتابة وقراءة، وتحول مفهوم الأمية من الأمية الأبجدية في مختلف مستوياتها، إلى الأمية المعلوماتية، حيث تهيمن الكلمة في شكلها الرقمي.
وفي كل الحالات فالأمي يحرم من التمتع بما توفره الكلمة، كيفما كان شكلها ومجالها، من معارف ومعلومات ووظائف وأشكال من التواصل وما إلى ذلك من المنافع. واقترنت الأمية دائما مع انتشار الفقر والخرافة و المرض وعدم الاستقرار و الحروب، فصنفت الأمية على الدوام عدوا للإنسانية.
وبعد دخول عالم المتعلمين، طلبة و مفكرين وأدباء وعلماء وفلاسفة ومثقفين وأطر عليا، نكتشف أن أنواعا من الأمية تلازمنا، وتمنعنا من تحصيل متع أخرى كثيرة غير ما تتيحه الكلمة، لا يقف بيننا وبينها سوى تعلم خبراتها الصحيحة. نكتشف أننا، حتى ونحن بالغون وكهولا وشيوخا، نعاني من طفولة متخلفة في كثير من مناحي حياتنا. نكتشف أننا لا نعرف أمورا من شدة بساطتها وبداهتنا يتكبر بعضنا على تعلمها من جديد. أمور تعلمناها بالفعل بمشقة ونحن نكبر، لنكتشف بعد أن كبرنا وبلغنا من العمر عتيا أننا لم نتعلمها على حقيقتها، فترهن من جديد راحتنا وصحتنا وسعادتنا وعيشنا المشترك في مجتمع يسوده الحوار والعدل و السلام.
نكتشف ونحن كبارا أننا يجب أن نتعلم من جديد مفردات الحياة الغريزية البسيطة. نكتشف أننا لا نعرف كيف نقوم بأشياء نظنها جِبِلية. نكتشف أننا لا نعرف كيف نتنفس بطريقة سليمة، بل نكتشف أننا نتنفس عكس قوانين الطبيعة. نكتشف أننا لا نعرف كيف نجلس بطريقة صحية، وأن طريقة جلوس كثيرين منا مصدر تشوهات خلقية وعاهات صحية. نكتشف أننا لا نقف بالطريقة الطبيعية، ولا نمشي بالطريقة السليمة، و لا نشرب ولا نأكل بالطريقة الصحية، ولا ننام ولا نجامع وفق القواعد السليمة.
بل نكتشف أننا لا نحسن التخلص من فضلاتنا و بولنا. نكتشف أننا لا نعرف كيف نغضب، ولا كيف نقوم بردود الفعل، ... نكتشف أننا أميون بالفعل في جوانب من حياتنا أساسية، و أن تلك الأمية تجعلنا لا نحسن القيام بما تقتضيه الغريزة في حالتها السليمة. نكتشف أننا نعاني من شيء يمكن تسميته بـ "الأمية الغريزية".
وأيضا نكتشف ونحن كبارا متعلمين، أننا لا نعرف كيف نتواصل مع غيرنا كما تقتضي ضرورات التجمع البشري المتحضر. نكتشف أننا لا نعرف ونحن متعلمون كيف نقرأ ما كتبه الآخرون، ولا كيف نكتب ما نود أ ن يقرأه الآخرون. نكتشف أننا لا نعرف كيف ننصت إلى الآخرين وهم يعبرون، ولا كيف نعبر عن رأينا فيما يرون.
نكتشف أننا لا نعرف كيف نفكر بطريقة سليمة وإيجابية. نكتشف أننا لا نعرف كيف نعبر عن آرائنا بطريقة مستقلة، ولا كيف نعيش مستقلين عن "الكبار"، ولا كيف نحترم الآخرين وهم ينعمون بتلك الاستقلالية. نكتشف أننا لا نعرف كيف نختار الكلمات المناسبة في التواصل مع غيرنا، ولا كيف نتصرف بالطريقة المثلى. نكتشف أننا، ونحن نمارس النقد على الدوام، لا نعرف قواعد النقد السليم ولا تمثلها.
نكتشف أننا في حاجة إلى تعلم كيف نعترف بإنسانية الآخرين، وكيف نحترم كرامتهم و حقوقهم. نكتشف أننا لا نعرف كيف نجعل تفكيرنا ومبادئنا تنسجم مع سلوكاتنا، ونكتشف أننا لا نعرف كيف نرسي قواعد العيش المشترك ... نكتشف أننا غارقون في أنانية طفولية مغلفة بمظاهر الكبار. نكتشف مع كل ذلك أننا نعاني من أمية أخرى تمنع كثيرين من التمتع بصفات الإنسان المتحضر، أمية يمكن نعتها بـ"الأمية الإنسية".
المهم فيما سبق ليس في وضع تسميات خاصة لظواهر أصبحت عامة، وليس المطلوب المجادلة في مدى صحة تلك التسميات من تهافتها، لكن المهم هو مدلولاتها ومعانيها، و أن نقف في أنفسها على حجم إصابتنا بما سمي هنا "أمية إنسية" و"أمية غريزية"، و الأهم من ذلك كله أن يتحول الوعي بإصابتنا بقدر من تلك الأشكال من الأمية إلى عزيمة قوية على خوض غمار التغيير الذاتي من جديد بعد أن اطمأننا إلى كوننا من نخبة المتعلمين المستغنين عن تعلم أبجديات الحياة من جديد. إن خطورة هذه الأنواع من الأمية التي تتعلق بقواعد الحياة والعيش المشترك، و خلاف الأمية التقليدية التي تهم فئات اجتماعية غالبيتها مهمشة، أنها تنتشر بالخصوص وسط النخبة وصناع القرار.
إنه إذا كانت قراءة الكلمة وكتابتها تمثل مفاتيح ترهن مند القدم مستقبل البشرية وتقدمها، فإن امتلاك الخبرات الصحيحة المتعلقة بقواعد الحياة السليمة والعيش المشترك، تمثل المفاتيح التي ترهن سعادة الإنسان، صحته وراحته وعيشه في سلام في مجتمع آمن. فهل نجرأ على خوض غمار حروب ضد هذا النوع من الأمية: "الأمية الإنسية" و"الأمية الغريزية"؟

ليست هناك تعليقات: