ازددت وقضيت جزءاً كبيراً من حياتي بمنطقة سوس..وحتى ولو كنت قد ترعرعتُ في كنف عائلة غير أمازيغية قدِمَتْ من هضاب عبدة..وحتى ولو كنت ممّن لا يفقهون شيئا من اللغة الأمازيغية..إلا أنني لم أرَ أبداً من أمازيغ سوس سوى الكرم والإخاء والمودة..
أمضيت خمس سنوات من حياتي بـ"أكادير" عاصمة أمازيغ سوس..وفيها اكتريت العديد من الغرف والشقق المتواضعة بكثير من أحيائها (إحشاش..النهضة..القدس..السلام..الداخلة..ليزاميكال..) وحتى أيت ملول والدشيرة..سكانها كانوا آية في التقدير..فكم مرة لم يكن عندي ما أؤدي به فاتورة الكراء فيتم إمهالي أياماً أخرى أو حتى يقول لي صاحب الدار: "الله يسامح". وكم مرة تساهل معي البقال..وكم مرة قدّم لنا جار "كصعة" من الكسكس خلال يوم الجمعة أو الحريرة خلال شهر رمضان..
مناسبة هذا الكلام أن السوسيين أبعد ما يكون عن البخل..وكل محاولة لإلصاق البخل بهم مجرد صورة نمطية مريضة تنم عن جهل كبير بطبائع هؤلاء الناس..بل إنني صادفت في حياتي كثيرا من الناس البخلاء بشكل يبعث على التقزز في عدد من المدن التي يُقحمها البعض في خريطة المدن المغربية العربية..ناس يعشقون الدرهم إلى درجة أنهم قد يقتلون بعضهم بعضاً في سبيل إرث منزل حقير أو قطعة أرضية في غياهب الخلاء.
وكما اكتشفت مدى وضاعة مثل هذه الصور النمطية عن أهل سوس، فهناك صور نمطية أخرى غاية في السوء عن ساكنة مدن أخرى.كم مرة حذروني من أن أهل الرباط لا يُؤْتمن بهم عند السؤال عن طريق أو مكان ما..وفي المقابل دلّني أهل الرباط على مجموعة من العناوين التي لا تستطع خريطة "جوجل ماب" تقديمها لي..وكم مرة حذرني البعض من تكبر أبناء فاس، وفي المقابل لديّ الكثير من الأصدقاء في هذه المدينة ممن ساندوني وأسدوا لي عددا من الخدمات العظيمة..
كم مرة حدثني البعض من أن المراكشيين كثيري الكلام دون فائدة، وفي المقابل أعرف عدداً من أبناء المدينة الحمراء برعوا في مجالات عديدة وحققوا إنجازات حقيقية. كم مرة سمعت عن أن أبناء المدن الشمالية يحتقرون باقي ساكنة المغرب، ولم ألتق في تطوان وطنجة مثلا سوى بالمتواضعين ممّن يخدمون وطنهم في صمت..
الصور النمطية هي جزء من ثقافتنا الشعبية، إلا أن هذه الصور صارت تُستخدم بشكل سيء وتحوّل استعمالها إلى احتقار الآخرين عوض السخرية الجميلة التي ترضي جميع الأطراف، بل إن هذه الصور النمطية كثيرا ما تجعلنا عنصريين فيما بيننا حتى ولو كان بلدنا بعيداً عن الاختلافات العرقية الكثيرة التي شتتت بلدانا أخرى..
لذلك، كن أمازيغياً، كن عربياً، كن ابن الشمال أو كن ابن الجنوب، كل هذه مجرد تفاصيل في نظري..إذا قُورنت بما هو أهم: العمل من أجل بناء هذا الوطن.
وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق