بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 27 ديسمبر 2013

سَقْطة المقرئ أبو زيد

سَقْطة المقرئ أبو زيد
لا أدري كيف سمح السيد المقرئ الإدريسي أبو زيد، النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية بأن يطوّح بنفسه من مكانةِ أستاذٍ جامعيّ وسياسي يُفترض فيه أن يتحلّى بالرزانة الفكرية والحكمة والتروّي، إلى "الحضيض الفكري"، بعدما لم يجد ما يبرهن به عن كون الهوية تطابق شعوريا الذات، وأن الإنسان متوحد مع هويته الفردية والجماعية أيضا، خلال محاضرة له في الخليج، سوى تلك النكتة السمجة عن التاجر السوسي، والتي لا داعي لسردها.
السيد المقرئ أبو زيد، الذي يبدو أنه لم يقرأ التطوّرات التي عرفها المجتمع المغربي، كان يحسبُ ربما، أنّ نكته السمجة التي لم تضحك أحدا، لن يتجاوز صداها جدران القاعة التي كان يتحدّث فيها في أحد بلدان الخليج، وقد ظهر ذلك جليّا عندما اتّصل به أحد الزملاء في هيأة التحرير لأخذ رأيه، فأبْدى له عدم معرفته بهذا الموضوع؛ رغم أنّه لم يُصدر أيّ بيان حقيقة ينفي فيه ما صدر عنه بعدما نُشر الخبر في الصحافة، وهنا نتساءل: كيف يمكن للسيد أبو زيد، المنتمي إلى حزب "إسلامي" يا حسرة، أن يقول إنه ليس على علم بكلام صادر عنه؟!
وعلى كلّ حال، فهذا شأن يخصّه، غيرَ أنّ تلك النكتة السخيفة لا يجب أن تمرّ مرور الكرام، ويبدو واضحا أنّها لن تمرّ، سواء بالنسبة للشخص الذي صدرت عنه، أو الهيأة السياسية التي ينتمي إليها؛ وإذا كنا قد قلنا إنّ السيد أبو زيد لم يقرأ التغيرات التي يشهدها المجتمع المغربيّ جيّدا، فيكفي العودة إلى ردود الفعل التي أعقبت نُكْتته، من طرف الشباب خصوصا، على مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية، حيث كان المطلب الأول للكثيرين، هو مقاطعة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة، وهكذا يكون السيّد أبو زيد قد سبّب خسارةً كبيرة لنفسه وللحزب الذي ينتمي إليه على حدّ سواء.
وحتى لا يتّهمنا أحد بمعاداة حزب العدالة والتنمية، نشير إلى أنّ رئيس المجلس الوطني للحزب، السيد سعد الدين العثماني قد عبّر بدوره عن رفضه لـ"نكتة" السيد أبو زيد؛ وإذا كان هذا الرفض قد صدر عن قيادي في حزب العدالة والتنمية، فما بالك بردّ فعل باقي المواطنين، المنتمين على الخصوص إلى جهة سوس، التي قال السيد أبو زيد بأنّ فيها تجارا، من عِرْق معيّن، معروفين بنوع من البخل، وإن لم يذكر اسم هذا "العرق"، خوفا من أن "يُتهم بالعنصرية"، على حدّ تعبيره.
نقول للسيّد أبو زيد، إنّ الحديث عن "عرق معيّن" هو في حدّ ذاته "عنصرية"، وفيه دعوة إلى التفرقة بين المغاربة؛ ودون الخوض في هذا الموضوع أكثر، نعود إلى مضمون كلام أبو زيد، ونقول له إنّه ليس مبنيّا على أيّ أساس؛ فتجّار سوس، كما قال الباحث أحمد عصيد، ليسوا بخلاء، بل إنّ ظروفهم الاجتماعية هي التي حتّمت عليهم في بداية الهجرة نحو المدن الكبرى (البعيدة)، أن يدبّروا مواردهم المالية بدقّة، وليس بِشُحٍّ، لكونهم تركوا عائلات ممتدّة، في قراهم النائية.
هؤلاء التجار يا سيّد أبو زيد، استطاعوا، بفضل تفانيهم، وجّدهم في العمل، أن يشيّدوا مصانع وشركات ومعامل كبرى في المدن الكبرى، تشغّل مئات الآلاف من اليد العاملة، وهم الذين استطاعوا، بفضل غيرتهم، أن يربطوا قراهم المنسيّة في الجبال، والتي لا تدخل في اهتمامات صناع القرار في المركز، بالطرق المعبّدة، وبشبكة الماء الصالح للشرب، وغيرها من البُنى التحتية.
إذا كانت الظروف الصعبة قد حتّمت على هؤلاء التجار أن يدبّروا مواردهم المالية بدقّة، "بخلاء"، كما قال السيد أبو زيد، فننصحه أن يزور قصورهم، في الدار البيضاء والرباط وفاس ومكناس وأكادير وغيرها من المدن، وفي قراهم أيضا، التي حوّلوها إلى مدن صغيرة، ليرى المستوى الرفيع لعيشهم، ويطلع على لوائح أبنائهم الذين يدرسون في أكبر المعاهد والجامعات الغربيّة، وسيخجل حينها من نفسه ويعضّ أصابعه من الندم.
لا أتحدّث من منطلق كوني أنحدر من سوس، بل أتحدث باعتباري مواطنا مغربيّا يرفض هذه التفرقة "العنصرية" حسب العرق، ويرفض مثل هذه "الكليشيهات" التي لا يليق بعامّة الناس أن يردّدوها، فأحرى بسياسي يمثل الأمّة تحت قبة البرلمان، وأستاذ جامعي يربّي الأجيال.
يا سيّد أبو زيد، أقول لك، وأنت السياسي العارف، إنّ واحدا من أبناء تجّار سوس، الذين وصفتهم بالبخلاء، يحمل حقيبة وزارية في الحكومة التي يقودها الحزب الذي تنتمي إليه، زَهِدَ في راتبه الشهريّ في الحكومة الحالية وزهد فيه في الحكومة السابقة، فيما الوزراء الآخرون، الذين ليسوا من "عِرْق" هذا السوسي متشدّقون بمرتّباتهم وبتعويضاتهم كاملة، بل أكثر من ذلك، رفض رئيس الحكومة، مجرّد مناقشة تخفيض أجور الوزراء عندما طُرح هذا الموضوع خلال السنة الفارطة، فمَنْ هو البخيل يا سيّد أبو زيد؟ ومن هو الجواد؟!
erraji@hespress.com

ليست هناك تعليقات: