بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 28 فبراير 2017

لن يعيش أهل“السلام عليكم“ بسلام حتى يتخلصوا من سيف حمو رابي


Affichage de ?????????? ??????????????.jpg en cours...

مركزتيفاوت الإعلامي
الحسين اسكان (مؤرخ وأستاذ جامعي)
تهدف هذه الدراسة إلى محاولة فهم الجذور التاريخية والفكرية لثقافة العنف في الثقافة العربية واستمراره تاريخيا، مند ما قبل ظهور الإسلام، إلى اليوم. وإذا كانت كل المجتمعات الإنسانية لا تخلو من مظاهر العنف وأشكاله المادية والرمزية والمعنوية، فإن بعض المجتمعات استطاعت أن تخفف نسبيا من حدة الوحشية وترويضها بالعقل، حين تمكنت من القيام بثورات فكرية لتجاوز الأفكار العنيفة والتأسيس لمجتمع ودولة الحق والقانون عن طريق الاهتداء وابتكار قانون وضعي والاحتكام إليه بدل الاحتكام للقوة أو قانون الغاب، بينما ظلت الثقافة العربية، إلى يومنا هذا، حبيسة قانون الغاب تورثه الأجيال السابقة للاحقة، في تناقض صارخ مع تطور الفكر الإنساني الذي عانق خطاب حقوق الإنسان اليوم. وتشكل الثقافتان المتعيشتان، في المغرب، الآن، وهما الأمازيغية والعربية، نموذجا لمجتمعين ولثقافتين مختلفتين، إحداهما اعتمدت القانون الوضعي، بينما كان غائبا في الثقافة الأخرى، وما يترب عنهما للمجتمع المغربي حاليا ومستقبليا.

كما تسعى هذه الدراسة لفهم خصوصية الثقافة المغربية ومميزاتها الأساسية، وتأثيرها في تطور حضارته ومنظورها للعنف، من خلال الغوص في عمق الثقافة الأمازيغية ومقارنتها بالثقافة العربية التي تأثر المغاربة بها، بعد تبنيهم للإسلام. وهي ثقافة سبق لابن خلدون في القرن 14م، أن لاحظ وحشيتها من تكرار قوله في مقدمته "أن العرب أكثر الأمم وحشية" ووقف عند ذكر سبب تلك الوحشية، مما سنراه لاحقا.



من المعروف اليوم أن المنطقة التي لا تعيش بسلام، حاليا، في العالم، هي المنطقة التي تردد فيها تحية "السلام عليكم"، صباحا ومساء، خاصة الشرق الأوسط منها. وتكاد كلمة إسلامي أو عربي تعني إرهابيا. ولا يستثنى، من ذالك، إلا بعض المناطق التي تنعم بدرجة كبيرة من الهدوء والاستقرار، والمشهورة بمسالمة أهلها، وهي بعض البلدان على أطراف العالم الإسلامي مثل المغرب، في أقصى غرب العالم الإسلامي، وأندونيسيا، في أقصى شرقه.

ما هو التفسير العلمي و التاريخي لهذه العدوانية المتناقضة مع دعوة الإسلام للسلام من خلال هذه التحية وغيرها؟

الإجابة عن هذا التساؤل وغيره، تقتضي الرجوع إلى الأصل اللغوي لهذه التحية والظروف التاريخية التي ظهرت فيها، أي الرجوع إلى عصر حمو رابي، قبل 4000 سنة تقريبا. وسنحاول، في نقطة ثانية، رصد بعض مظاهر هذه الثقافة في العصر الجاهلي. وفي نقطة ثالثة، سنحاول أن نتابع مآلها ومسار تطورها، بعد ظهور الإسلام، إلى يومنا هذا.

أولا:الأصل اللغوي والسياق التاريخي لظهور التحية

يعتقد أغلب مستعملي "السلام عليكم" أنها مجرد تحية، وقلما يعيرون اهتماما لمعناها اللغوي. فكلمة السلام تقابلها كلمة الحرب، أي أن الذي ألقى التحية يصرح أنه لن يحارب الشخص الذي سلم عليه، ويرد عليه المخاطب، من جهته، بأن عليك الأمان. تحية بهذا المعنى لا يمكن أن تظهر إلا في مجتمع ألف أفراده العدوانية ولا معنى لها في مجتمع مسالم، فلو ترجمت إلى الأمازيغية أو للدارجة لاستغرب المخاطب ذالك، ولساورته الشكوك في نوايا صاحب المبادر بالتحية. فمتى ظهرت هذه التحية بمعنى إعلان الهدنة بين المتبادلين لها؟

أما معرفة سياقها التاريخي، فيتطلب منا الرجوع إلى الجذور الأولى للموروث الثقافي والحضاري للمنطقة التي ظهرت فيها الديانات السماوية الثلاث، (ما بين النهرين وشبه جزيرة العرب، أي الشرق الأوسط حاليا).شهدت هذه المنطقة، حسب الحفريات الأثرية، تشكيل المجتمعات البشرية الكبرى والأولى المستقرة واتخذت القرى مقرا دائما لها، وذالك بعد الثورة الزراعية حوالي 10000 سنة ق.م. لكن الفترة المهمة هنا هي الفترة الممتدة بين 5000 و3000 سنة ق.م، المتزامنة مع فترة اكتشاف البرونز واستخدامه في صناعة السلاح (خاصة السيف الذي حل محل السلاح الحجري الذي كان في متناول الجميع لتوفره في الطبيعة) وقد ترافق استخدام السيف بظهور تراتبية اجتماعية، لأول مرة في التاريخ الإنساني: حكام، عبيد، و"مساكين" أي من لا ينتمي للحكام أو العبيد... وتشكيل الدول كالدولة الأشورية والبابلية، وتوسع المجال الجغرافي للتجارة... ويضاف إلى ذالك ما أحدثه ظهور السلاح المعدني في تاريخ البشرية، من تحولات مهمة في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في منتصف الألف 2 ق، خاصة بعد ظهور سلاح أقوى وأكثر فعالية من سلاح البرونز، ألا وهو سلاح الحديد.

ومن النتائج الهامة لهذه التطورات: وضع القوانين المنظمة للعلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الجديدة،حيث حل الحكام محل القضاة الذين كانوا يفصلون في بعض النزاعات بين أفراد المجتمعات الزراعية الأولى، التي كانت متميزة بالمساواة، كما يظهر من قبور تلك المرحلة، عكس التفاوت الملاحظ في قبور الفترة التالية لظهور السلاح ورمزه السيف. وأقدم نص طويل وصلنا هو نص من عهد الملك البابلي حمو رابي المشهور، المكتوب باللغة الأكادية حوالي 1850ق.م. ويلاحظ أن العقوبات التي يتضمنها تتسم بالقسوة والعنف الشديدين، وبغلبة العقاب البدني عليها مقارنة بالعقوبات الموجودة بقوانين حضارات أخرى، كما سيأتي ذكره: منها عقوبات العين بالعين والسن بالسن و قطع ثدي المرأة، وقطع اليد ليس للسارق وإنما لمن عصى والده وفي بعض الجرائم الأخرى، زيادة على عقوبات بالقتل بطرق مختلفة، كالإغراق مثلا في مياه نهر دجلة والفرات المقدسين آنذاك. وإذا قارنا تلك العقوبات بالعقوبات بشمال إفريقيا لدى الفراعنة والأمازيغ، نلاحظ أن جل عقوباتهم، على الجرائم، عبارة عن ذعائر مادية، وأقصى عقوبة لديهم هي النفي أزواك (منها جاءت كلمة مزاوك بالدارجة)، وتنعدم العقوبات البدنية لديهم، باستثناء الجرائم السياسية بمصر، فعقوباتها بدنية قد تصل إلى الإعدام. وهذا ما يفسر عدم تطبيق قطع يد السارق ورجم الزاني بشمال إفريقيا، منذ وصول الإسلام للمنطقة إلى اليوم. ويستنتج من هذه العقوبات أنها نابعة من ثقافة مهيكلة بمنطق الصراع والمواجهة بدل منطق التعايش والحوار الـمتبادل، حيث غلب عليها الاحتكام إلى السيف، السلاح الجديد المحتكر من طرف شريحة الحكام لتنظيم العلاقات الاجتماعية عوض تغليب الشرعية المبنية على التعاقد والتراضي بين الفرقاء الاجتماعيين، بوضع قوانين متفق عليها، كما هو الحال في الثقافة الغربية أو الأمازيغية، إذ كان الأمازيغ يكتبون قوانينهم في الألواح وتحدد نوعية العقوبات عن كل جريمة، وقد جمع العلامة العثماني نماذج كثيرة منها بالأطلس الصغيرسماها ألواح جزولة. ولا نجد مثل هذه القوانين الوضعية في الثقافة العربية، كما سنرى.

ومن الطبيعي أن يترتب عن تحكيم السيف ظلم وإجحاف على مستوى العلاقات يبين القوي والضعيف، وخوف ورعبمن اللآخر، ويعتقد الفرد أن الكل يتآمر عليه (ظاهرة المؤامرة الخارجية السائدة في الوجه العربي لثقافتنا) بالإضافة لتفشي الكراهية والحقد وأخذ الثأر وغير ذالك، وعدم احترام الآخر، مثلا كانت أغلب كتب التراث كلما ذكرت النصارى واليهود إلا أرفقتها بدعوة "لعنهم الله". وكنا نسمع في أدعيتنا بعد نهاية كل مناسبة اجتماعية أوفي صلاة الجمعة "اللهم انصر المسلمين والمجاهدين" على من؟ لا أعرف، لكن المؤكد أننا ننهي الدعاء بالكلمة العبرية "آمين". كل هذا يؤدي إلى تعبئة واستنفار دائم للناس لمواجهة الآخر واعتباره عدوا. مناخ اجتماعي كهذا لن ينجم عنه سوى توتر تشبه دائمة بين أفراده وشرائحه أولا، قبل غيرهم، وانعدام الأمن، كما يستنتج من الحديث النبوي: "من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا". ويشمل هذا المناخ الذي يخلقه العنف، المرموز له بالسيف، كل المستويات الاجتماعية بدءا بالأسرة، حيث يهان ويحتقر كل ضعيف كالمرأة والأطفال، كما يشمل كل المجالات (ظلم اجتماعي، لأن كل ما نظم بحد السيف يكون حادا، فوارق اجتماعية حادة، فوارق اقتصادية حادة تعطينا ظلم اقتصادي، ظلم سياسي يتجلى في حكم استبدادي وراثي يجسده شيخ القبيلة العربية، في الجاهلية الذي كان يجمع كل السلطات: الدينية، المدنية، العسكرية، القضائية، وتجسد في نظام الخلافة مع ظهور الإسلام، عكس نظام دولة إمغارن الأمازيغية (الحسين اسكان، الدولة والمجتمع في عصر الموحدين،IRCAM 2010 ).وتتولد عن هذه الثقافة المهيكلة بالعنف والمؤطرة بحد السيف اضطرابات اجتماعية وسياسية متقطعة ولكنها مزمنة، وليس معنى ذلك غياب تام لفترات يسودها السلم والاستقرار وتألق حضاري غير أنه سرعان ما يخبو كالشرارة، وإنما المقصود أنها فترات محدودة زمانيا ومكانيا، مقارنة بمدة الاضطرابات. إذا أخذنا كمثال دولة الموحدين: نلاحظ أنها بدأت515هـ بالحرب وسقطت بالحرب 668هـ، ولم تعرف استقرارا نسبيا إلا في عهد ثاني خلفاءها، أي أقل من20 سنة فقط، خلال 150 سنة. ويعرف الجميع حالة العراق أيام ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي، في منتصف القرن الأول هـ، الذي وصف أهلها "بأهل الشقاق والنفاق"في خطبته الشهيرة التي توعد فيها بعض العراقيين بقطع رؤوسهم، بالطبع لن يكون ذالك حلا لهذا الشقاق، لأن أسبابه تعود للظلم الكبير المتولد عن هذه الثقافة، إذ حكى ابن خلدون في مقدمته، أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان سأل أعرابيا ، كيف تركت الحجاج بالعراق؟ فأجابه تركته "يظلم وحده" مادحا إياه بهذا الوصف، كأنه الرابح في مباراة بين الظلمة. ونذكر هنا أنه هو الذي رمى الكعبة للمرة الثانية بالمنجنيق سنة 73هـ، في حربه على عبد الله بن الزبير بمكة. وهذا النوع من الحكم المستبد يعود إلى فترة عبادة الشمس في الشرق الأوسط، كما لدى البابلين، حسب ما جاء في القرآن" إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ" الآية 34 من سورة النمل. لذا جعل المتنبي (303-355هـ) من الظلم طبيعة إنسانية:

وَالظّلمُ من شِيَمِ النّفوسِ فإن تجدْ ذا عفة فلعلة لا يظلم


قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة المسلمة إذا كانت ظالمة".

ولهذا قيل: "الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام".


ثانيا: الثقافة العربية الجاهلية الوريثة الكبرى لثقافة سيف حمو رابي

استمر هذا الهيكل المجتمعي المعتمد على العنف وحد السيف بمنطقة الشرق الأوسط أزيد من5000 سنة، ولم يتوقف إلا في عهد الاستعمار وبعده بقليل، ليستأنف في أواخر السبعينات إلى اليوم، إذ لم تزعزعه، طيلة هذه المدة الطويلة، كل التحولات التاريخية المتعددة السياسية والعسكرية...بل حتى ظهور الديانات السماوية الثلاث بهذه المنطقة بالذات: اليهودية خلال الألفية الثانية ق.م، ثم المسيحية في منتصف القرن الأول لميلاد المسيح، كما هو معروف، ثم جاء الإسلام سنة 622م . قضية عدد الأنبياء وعلاقتها بعمر الدولة(مائة ‏ألف ، وأربعة وعشرون ألفا ، والرسل من ذلك: ثلاثمائة وخمسة عشر ، جما غفيرا "‏ وهذا الحديث قا بتصحيحه الشيخ الألباني رحمه الله في مشكاة المصابيح . ‏ وذكر القرآن الكريم خمسة وعشرين نبيا ورسولا حيث ذكر ثمانية عشر في سورة الأنعام ، واما السبعة الاخرين تم ذكرهم في سور متفرقة من القران الكريم) بالطبع أي دين أو أية مكارم الأخلاق مهما كان سموها لن تغير ما قرره السيف."يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، حسب الحديث أو مقولة عمر أو عثمان الشهيرة في كتب التراث الإسلامي.

ورثت شعوب المنطقة ثقافة السيف هذه، بحكم الجوار الجغرافي والاحتكاك بينها، ومن أبرز من ورثها عرب الجاهلية، حسب مؤشرات كثيرة منها:

ـ أن تحية السلام عليكم ليست خاصة بالعربية والإسلام، بل كانت شائعة في الشرق الأوسط منذ 5000 سنة.إذ أنها أقدم من الإسلام بأكثر من 2100 سنة، حيث استعملها اليهود في صيغتها العبرية "شالوم"، منذ حوالي 1800ـ1500ق.م، أيام النبي إبراهيم، قريبا من عصر حمو رابي. ومعروفة في المسيحية (ورد في إنجيل لوقا 24:36 أن عيسى سلم على أنصاره بقوله السلام لكم).

ـ ورث العرب كذلك جل العقوبات الجسدية عن عصر البابليين، كقطع اليد والرجم، فلو لم تكن هذه العقوبات من عادة العرب، قبل الإسلام، لما طبقوها كما لم يطبقهاالأمازيغ، بشمال إفريقيا، نظرا لمخالفتها لأسس بنيتهم الاجتماعية كما سبق الذكر، فقد جاء في الحديث: ((إنَّما أَهلك مَن كان قبلكم أنَّه كان إذا سرق فيهم الشَّريف ترَكوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ، فوالذي نفسي بيده لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقَت، لقطع محمدٌ يدَها)).

ـ ورثت اللغة العربية كلمات عن الكلدانية مثل: مساكين والأمة (الجارية)، حسب ما جاء في نص حمو رابي، فضلا عن كلمة السلام.

ـ تؤكد أحداث ووقائع تاريخية كثيرة، وجود هذه الثقافة المهيكلة بالعنف لدى عرب الجاهلية منها: الحروب الكبرى كحرب داحس والغبراء والأحلاف كحلف الفضول الذي حضره الرسول قبيل البعثة، بمكة. إقرار أشهر معينة للهدنة، خلال المواسم الكبرى، كالأشهر الحرم، في موسم الحج بمكة، قبل البعثة النبوية، بسبب الحروب شبه الدائمة، في الجاهلية.( لم أطلع في المصادر التاريخية، خلال العصر الوسيط، على مثل هذه الظاهرة بشمال إفريقيا، خلال الفترةالإسلامية، إلا في بداية القرن 16م، قبيل ظهور الدولة السعدية بمبادرة من الفقيه محمد بن مبارك الأقاوي الذي سن تحريم الحرب،لمدة أشهر، على القبائل السوسية المتحاربة لحضورموسم تازروالت، نظرا للظرفية التاريخية المضطربة آنذاك،(لأسباب كثيرة لا مجال للتفصيل فيها). ويبدو أن الصيغة الثقافية التي ورثها عرب شبه الجزيرة الصحراوية، كانت أشد عنفا وقسوة مقارنة بالبابليين في العراق الحالي التي كانت منطقة زراعية، إذ لا نعثر لدى العرب على قوانين مكتوبة مثل قانون حمو رابي، وربما يعود هذا لاختلاف الظروف الجغرافية بين المنطقتين. لكن الأهم من ذالك هل غير الإسلام ثقافة السيف هذه بعد 622 ميلادية؟

ثالثا: الإسلام لم يستطع تخليص الثقافة العربية من سيف حمو رابي

إذا كانت اليهودية والمسيحية قد استطاعتا التخلص من ثقافة السيف، فذالك بسبب انتقالهما إلى مجتمعات تحتكم إلى ثقافة القانون، بل إن المسيحية نفسها ظهرت تحت ظل الإمبراطورية الرومانية التي كانت تسيطر آنذاك، على فلسطين، مهد ميلاد المسيح والمسيحية. فالثقافة الغربية، على الأقل مند الإغريق، بدأت تعتمد على الاحتكام للقانون وعلى التعاقد الاجتماعي بين الطبقات الاجتماعية (التعاقد بين النبيل والقن في النظام الفيودالي،خلال العصر الوسيط، وبين البرجوازي والعامل في النظام الرأسمالي، خلال العصر الحديث)، ومعلوم أن التعاقد يحدد حقوق وواجبات المتعاقدين بينما تنعدم تحت السيف. هذه الثقافة هي التي جنبت الغرب تسرب ثقافة حمو رابي إليها عن طريق الديانة المسيحية، وخففت من حدتها بالمغرب.

أما الإسلام فإنه لم يفلح في التخلص منها، لسبب بسيط، هو أنه لم يكن ممكنا، خلال 10 سنوات التي قضاها الرسول في المدينة أن يغير كل قيم وتقاليد وعادات العرب الموروثة منذ آلاف السنوات، ولا يملك القوة اللازمة لذلك، (قارن ذالك مع مدة 40 سنة التي قضتها فرنسا بالمغرب، رغم ما تملكه من أشكال القوة لم تتمكن من فرض ثقافتها)، فقطع يد السارق لم يكن العرب ليقبلوه، لو لم يكن من عاداتهم المألوفة، في حين رفض الأمازيغ والاندونيسيون وغيرهم تطبيقه، كما تقدم ذكره. ظهر الإسلام، في حضن هذه الثقافة، وتطور وانتشر بلغتها خارج الشرق الأوسط.

أما يدل على تأثره بهذه الثقافة فهو ما ورد من المعلومات في المصادر التاريخية من وقائع تؤكد استمرار السيف في طبع العلاقات الاجتماعية في الفترة الإسلامية:

منذ فجر الإسلام توالت الاضطرابات واشتد الاقتتال بين الصحابة المسلمين العرب، مباشرة بعد وفاة الرسول(ص): منها الخلاف بين المهاجرين والأنصارحول من يخلف النبي، حتى قبل دفنه، في سقيفة بني ساعدة، ثم حروب الردة، باستثناء مكة والمدينة، وقد دامت سنتين 10-12هـ، أي عهد الخليفة أبي بكر، ثم ظهرت "الفتنة الكبرى" التي بدأت باغتيال الخليفة عمر مرورا بمقتل الخليفة عثمان وحرب الجمل التي شاركت فيها عائشة وقتل فيها الصحابيين المبشرين بالجنة طلحة والزبير، في الحرب مع الخليفة علي سنة 36هـ، وانتهاء بصراع علي مع معاوية الذي انتهى بمقتل الخليفة علي سنة 40هـ، وأثناء هذه الفتن ظهرت المذاهب الإسلامية الكبرى (الخوارج عن علي، الشيعة أي أنصاره، أما المحايدون فسيصبحون، فيما بعد ذالك بأهل السنة). ونعلم أن 3 خلفاء من أصل 4 قتلوا، والخليفة الرابع أبو بكر لم يقتل لأنه حكم فقط سنتين. فخلال 30 سنة لم ينعم الجيل الأول من العرب والمسلمين لا بالسلام ولا بالوحدة المذهبية، بالرغم من اغتناء الصحابة، بسبب الغنائم المترتبة عن تقدم الفتوحات الإسلامية، شرقا وغربا، خلال هذه المدة. لو كان هذا النظام قائم على أسس متينة، مثل النظم الحديثة، لما انهار بهذه السرعة (30 سنة)، لدرجة أن الصحابة الذين أقاموه شهدوا انهياره قبل وفاة من لم يقتل بينهم في حروبهم الداخلية أو الخارجية.(بينما عاش المغاربة أكثر من ثلاثة أجيال دون حرب منذ 1930 إلى اليوم). سميت هذه الفترة المضطربة بعد ذالك عصر "الخلافاء الراشدين" باعتبارها العصر المثالي في التاريخ الإسلامي الذي يتعين الرجوع إليه، حسب ما تعتقد الحركات الإسلامية وكل حزب يدعي المرجعية الإسلامية من السلفيين والإخوان المسلمون، بمن فيهم إخوان البجيدي المغربي. ونسوا أو يتناسون أن الكثيرين قبلهم حاولوا إحياء نظام الخلافة وفشلوا، منهم الموحدين بالمغرب مثلا. وتحاول،الآن، داعش أن تعيد إحياءه رغم فشل المحاولات السابقة لهم.

في العصر الأموي توالت الحروب والانشقاقات، مثلا قتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي وأصحابه سنة 60 هـ، وفي السنة الثانية هجم على المدينة وسبى أهلها، وفي السنة الثالثة وجّه جيشاً 64هـ؛ لقتال عبد الله بن الزبير الذي تحصّن في الكعبة المشرّفة. وفي عام 73هـ توجّه الحجّاج بن يوسف الثقفي إلى الحجاز، ونزل الطائف، وأخذ يرسل جنوده لقتال عبد الله بن الزبير بمكة، هكذا لم تحترم حتى الكعبة إذ رميت بالمنجنيق.

ستستمر هذه الاضطرابات والحروب بهذه الوتيرة شبه السنوية في المناطق التي أوصل لها العرب ثقافة السيف هذه المولدة للظلم في شتى المجالات اجتماعيا واقتصاديا...، والمؤدية إلى الإنقسامات المذهبية والسياسية. الجميع يعرف أن أول إقليم انفصل عن الإمبراطورية الإسلامية هو المغرب، سنة 122هـ، حيث انطلقت الثورة من طنجة بقيادة ميسرة المطغري، بسبب ظلم ولاة الأمويين، كما هو مشهور في الدراسات التاريخية.

عموما، يظهر تاريخ المسلمين كأنه سلسلة من الثورات والحروب بلا نهاية، يصعب فهم أسبابهاإذا لم نستحضرهذه الثقافة (مثلا لماذا تقاتل الصحابة 30 سنة؟ لم يقدم المؤرخون أجوبة عقلية منطقية ومفهومة).وقد لاحظ الأقدمونأن الأسر الحاكمة لا تعمر أكثر من 100 سنة أي مدة 4 أجيال، في المعدل، ونقل ابن خلدون عنهم هذه الملاحظة، وبنى عليها نظريته المعروفة في التاريخ. وهي نظرية تنطبق على المرابطين 70سنة، والموحدين 100سنة...وعلى غيرهم من الدول الإسلامية. وإذا تجاوزت أسرة حاكمة هذا المعدل، فإن ذلك يعود إلى استبدال العصبيات القبلية المكونة لجيشها، مثل العباسيين (حوالي 5 قرون) الذين اعتمدوا على عصبية الفرس 100 سنة الأولى ثم على البويهين، ثم على الحمدانيين، وأخيرا على السلاجقة. سيف العصبيات الحاكمة هو ما يفسر جل الوقائع والظواهر التاريخية في كل المجالات، وقد لا يخطر على بال أحد، أن ظاهرة فكرية، مثل ظهور ابن رشد ومنع الفلسفة بعد النكبة التي تعرض لها، لا تفهم إلا بفهم تطور سيف العصبية الموحدية. سأعود في مقال آخر لتوضيح هذه الأمور.

ثقافة السيف هذه تمجد السيف كرمز للقوة، وتربي الناشئة، داخل الأسرة على قيم العنف. وتغرس فيهم قيم الاحتكام للعنف والقوة وليس الاحتكام للقانون، ونجد مظاهر هذا التمجيد في عدة مجالات:

1ـ في التراث العربي من فقه وأدب بنثره وشعره وأمثال، وقد يتطلب استقصاء ما ورد فيه حول الموضوع مجلدات ومجلدات، نكتفي هنا بالإشارة إلى مطلع قصيدة لعنترة بن شداد أحد شعراء المعلقات في الجاهلية:


إذا خَصمي تقاضاني بدَينٍ

قَضيْتُ الدَّينَ بالرُّمح الرُّديني

وحدُّ السَّيفِ يُرضينا جميعاً

ويَحكُم بينكمْ عَدلاً وبيني


وقصيدة أبي تمام المشهورة في العصر العباسي:

السيف أصدق أنباء من الكتب في جده الحد بين الجد واللعب

واشتهر المتنبئ بشاعر السيف والقلم لتمجيد السيف كرمز العزة والمناعة مثله مثل شعر أبي فراس الحمداني. واللائحة طويلة.

ونجد صدى لهذه الثقافة التي تمجد العنف والسيف، في الوجه العربي لتراثنا المغربي، إذ يقال، في الدارجة المغربية: "كن سبع أوكولني" أي الرضا بالاحتكام للسيف بدل القانون، ويقال: "ليد لما تقدر تقطعها بوسها"، بمعنى توتر دائم بين الحاكمين والمحكومين،فاختبار القوة وشد الحبل يظل مستمرابينهمافي شكل حروب وثورات دائمة.ويقال أيضا:"لعصا ما تخلي للي إعصا".مثل هذه الأقواللا نجدها بالأمازيغية، أو في لغات الثقافات التي تحتكم للقانون، بل من المعروف لدى الجميع أن الأمازيغي يتبع القانون الذي يكتب في الألواح ويحترمه، أي ما يعبر عنه العامة ب" أغاراس أغاراس". هذه البقايا من الثقافات المحلية المخالفة لثقافة وسيف حمو رابي هو ما خفف من حدة العنف في بعض البلدان كالمغرب وأندونسيا، إذ كلما ابتعدنا عن مركز هذه الثقافة، ببلاد ما بين النهرين وشبه الجزيرة العربية، إلا وقل تأثيرها، كما يرتبط انتشارها بدرجة تعريب الشعوب المسلمة، وهذا أحد أسباب "الاستثناء المغربي".

2ـ اتخاذ السيف كشعار(logo)، انظر شعار تنظيم جماعة الإخوان المسلمين (سيفين فوق القرآن) أو في علم العربية السعودية، ونجده في المعالم الأثرية، قديما مثل السيفين المرسومين في منارة جامع القرويين و صومعة مسجد حسان. وحديثا في النصب التذكارية في العراق ودمشق وقطر مثلا.والتحديث (update) الوحيد لهذا الشعار منذ 5000 سنة، هو استبدال السيف بالبندقية المعاصرة، كما في شعار الحرس الثوري الإيراني والمليشيات الشيعية كحزب الله اللبناني وباقي مليشيات الشيعة بالعراق كالحشد الشعبي. وقد لا نفاجأ غدا بشعار من صاروخين نوويين. كما نشير إلى شيوع تسمية الذكور باسم سيف، سيف الدين، سيف الدولة، سيف الإسلام، خاصة بالشرق العربي. ولا داعي لاستعراض المزيد عن هذا الرمز في كل مجالات الحياة، مثلا حتى السبحة قد تكون "خير من ألف سيف" أي استخدام الدين في الصراع يكون أشد فعالية ألف مرة من السيف، في بعض الحالات، مثل الحالة التي نكب فيها ابن رشد 592 هـ.(أسكان، مرجع سابق)

أطول فترة عم فيها الأمن نسبيا، مجمل بلدان العالم الإسلامي،إذا استثنينا فلسطين،هي منذ أوائل القرن العشرين، إلى السبعينيات منه، حين كان خاضعا للاستعمار الغربي، (رغم عنف ولا شرعية الفعل الاستعماري) الذي حمل معه ثقافته المبنية على الحق والقانون، وهي فترة تمثل رقما قياسيا في تاريخه، غير أن حليمة عادت إلى عادتها القديمة من "شقاق ونفاق"، بعد حصول بلدانه على استقلالها، وبعد حرب أفغانستان والطفرة النفطية التي وفرت البتروـ دولاراللازم لتمويل عملية بعث سيف حمو رابي من جديد، في العقلية العربية.

لاحظنا مما تقدم، أن ثقافة السيف هذه قد عمت كل مجالات الحياة (التراث الشفوي والمكتوب، الشعارات، الأعلام الوطنية، الآثار المعمارية، المباني، الاقتصاد، السياسية...وحتى في الطقوس الدينية. وهي التي تفسر التاريخ العربي الإسلامي، بشكل كبير، وبدونها تبقى كثير من الأمور غامضة. لكن الأخطر من كل ذالك، هو استمرارها في التربية والسلوك للإنسان المتشبع بها، اليوم، فيتكون داخل لاشعوره "داعشي صغير" يملي عليه تصرفات ويمارس العنف في المجتمع، من ذالك:

ـ موقف البعض من الأعمال الإرهابية التي حدثت وتحدث في أوربا،عوض إدانتها يحاول البعض أن يجد لها تبريرا من خلال تحميل الأوربيين مسؤوليتها بتدخلهم في شؤون البلدان العربية، وتبريرها بنظرية المؤامرة الخارجية والقول أن داعش والقاعدة صنيعة أمريكية أو إسرائيلية. كما ينسب لهم كل المشاكل التي يخلقها أحفاد حمو رابي لأنفسهم، بسبب اعتيادهم على تحكيم قانون السيف عوض التحكيم لقانون وضعي متفق عليه. ولو ذكرتهم بأن الكعبة ضربت مرتين بالمنجنيق آخرها على يد الحجاج بن يوسف الثقافي سنة ­73هـ لقالوا كانت مؤامرة أمريكية.

ويتجلى حضور ثقافة السيف هذه بين بعض من يفشون السلام بينهم كل لحظة في تصرفات تزعج الآخرين وتعلن حروبا صغيرة يومية عليهم، كرمي الأزبال في الطرقات وخرق قوانين السير وعدم احترام علامات الطريق وعدم مراعاة المصطفين في الطابور...إذلال الأنثى في البيت، وحشية تلاميذنا في عاشوراء. منها أن من يحتكم إلى السيف، بدل القانون، ينصب نفسه قاضيا وينهى عما يعتبره منكرا دون الاعتماد على قانون ويتجاوز السلطة القضائية والأمنية المختصة التي تركها لنا الغرب مشكورا، مثل حادثة فتاتي إنزكان وغير ذالك من الحوادث الغريبة عن المجتمع المغربي. ومن لا يضع في اعتباره احترام الآخر وحريته لن يتورع في حمل السيف ضده، فداعش لا يخلق من فراغ بل من خلال اتخاذ أطفالنا هذه التصرفات الداعشية قدوة لهم ويتمرنون عليها في احتفال عاشوراء.

وختاما، يمكن القول أن الغرب أراحنا من البنيات الاقتصادية والاجتماعية لهذه الثقافة، لكنها لم تخلص عقليتنا وقانون الأحوال الشخصية منها، وهو ما تنبهت إليه الدولة المغربية التي تعتبر من الدول الرائدة في اتخاذ إجراءات تنظيمية مهمة للحد من خطورتها، كما تنبهت إلى ضرورة مراجعة مناهج وبرامج مقررات تدريس التربية الدينية، لكن عليها أن لا تنسى أن تراجع مقررات تدريس اللغة العربية التي يتضمن تراثها الأدبي والفقه والتاريخي ما يمجد السيف. وبدأت الدول الإسلامية تحدو حذو المغرب في تضييق الخناق عليها، ومن ذالك تشكيل التحالف الإسلامي (39 دولة)بتاريخ 26ـ3ـ 6201، لمحاربة الإرهاب فكريا وعسكريا ونأمل أن يكون ذلك خطوة أخرى نحو التخلص نهائيا من ثقافة سيف حمو رابي.

جريدة نبض المجتمع الأمازيغية، الورقية 

ليست هناك تعليقات: