بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 8 فبراير 2016

مقتل “إزم” و “خطبة الزلزال للمدغري” : قراءة في المسكوت السياسي

مقتل “إزم” و “خطبة الزلزال للمدغري” : قراءة في المسكوت السياسي
مركزتيفاوت الإعلامي
لؤي الجوري :
في بحر هذا الأسبوع استرعت انتباهي واقعتين لم تحضيا باهتمام ولا حب الإعلام الرسمي و إن كانتا قد أحدثتا ضجة فايسبوكية لم يخمد لها أوار، خلفت ردود أفعال مستهجنة و غاضبة تحديدا في وسطين دون غيرهما ؛الوسط الأمازيغي الأشد حركية و مكافحة، ثم الوسط الريفي بكل تعبيراته المجتمعية!.

الواقعة الأولى كانت جريمة اغتيال مناضل الحركة الأمازغية عمر خالق الملقب ب”إزم”، توالت فصولها برحاب جامعة مغربية بمراكش / أموراكش من طرف طلبة صحراويين ينتمون لتيار الانفصال. هذه الجريمة النكراء كانت كفيلة برجرجة الحركة الأمازيغية برمتها وإيقاظها من البيات و السكون النضالي و دفعها للعبور إلى مستويات الحراك المفتقد في الآونة الأخيرة للضغط على المخزن حتى يتحمل مسؤولياته الدولتية إزاء هذه السابقة الخطيرة !.

أما الحدث الثاني فتجلى في خطبة الزلزال و الاتعاظ من النقمة الإلهية على طغيان الحشيش بديار الريف و زيغ أهله للفقيه السلاوي الفاضل، المتقرب إلى ربه، العلامة يحيى المدغري، جنبه الله الفتنة هو موقظها من حيث يدري أو لا يدري. الأمر سيان ما دام قد أقام الريف و لم يقعده إلى الآن و ما دام قد غشي الإقليم بعد تأويله ذاك زلزال الإجحاف و الغبن ما لم تقوى عليه زلازل الطبيعة التي أضحت تباغت تضاريسه بين الفينة و الأخرى!.

إذ أنه بتحامله أثار حفيظة الريفيين أيما استثارة بانتهاجه للغة وعظية مزدوجة المعايير و مجانبته مطبات التأويل المغرض الذي يقصر آفات الفساد بجغرافية محددة هي الريف و بنشاط محدد هو المخدرات !.

لن أدخل في حيثيات الحدثين و ما رافقها من موجات الاستنكار العارمة (التي أعلن من منبري هذا و في يومي هذا أني أتقاسم غضبها كما أتفهم مشروعية احتجاجها) و ذلك لان المواقع الكلامية و جلجلة تعاليقها لم تترك للمراقب المتتبع مساحة و لا حيزا وافيين للنقد و الرد و المنافحة إلا و قد تناولته واستهلكته استهلاكا !.

إلا أني ما أود أن أشد إليه الأنظار الحصيفة و التي لم تجرفها بعد سخونة هذين الحدثين رغم خطورتهما المعلنة و المضمرة هو أنهما يشتركان في استنتاجين يمكن رصدهما من خلال وقفة متأنية و بعد قراءة تحليلية لصيرورتهما التسييسية من خلال فرضية نشوء الحدث، توجيه الحدث ثم خلق الحدث الملائم.

أول الاستنتاجات البدهية المطروحة هي ان خلفية الحدثين هي خلفية ذات طابع سوسيوتاريخي قادم من عمق الصراعات بين المكونات الإثنية للمجتمع المغربي، إذ أن هذه التشنجات فعلا ظلت قائمة في البنية السوسيوثقافية و لا تزال في الراهن تستعر على نار غالبا هادئة لكنها في العقد الأخير أخذت في التورم و من حين لآخر صارت تدك بنيان التعاقد الهوياتي الهش و المهلهل لجسد المجتمع بخرجات قوية و جد محتقنة في القول و الفعل، في الخطاب و الممارسة لكل الأطراف التي نصبت نفسها ممثلة لإثنيتها و تحترب من أجل فرضها كرقم ناجز داخل معادلة الهوية المغربية الجامعة أو خارجها، فتعمل بالتالي على تعميق التصدعات و الشروخ التاريخية، تلك الخرجات اللاشعورية ذات حمولات عرقية مخففة، تستقي خطاباتها من اللاوعي الجمعي لكل إثنية مغلقة التي ما فتئت تتحددها السمات الخاصة و المتفردة المتمثلة في اللغة / اللهجة / اللكنة و في المجال الجغرافي المحدد و في المحمول الثقافي الخاص. و التي ابتنت عبر قرون من التعايش القبائلي تصورات شائهة و مفبركة عن الإثنيات الأخرى المجاورة أو المشاركة للفضاء العام و نتيجة لذلك ظلت تسقط أغلبها في النظرة الفلكلورية الاحتقارية المتبادلة بين كل هذه المكونات.

أما الاستنتاج الثاني فهو استثمار للحدثين و توظيف مضاعفاتهما العاطفية و السيكولوجية ضمانا لانقياد الجموع باتجاه أجندة سياسية أمنية بالدرجة الأولى لتغدو بذلك أرضية مثلى لفحيح و تسريب السياسات الخفية، التي بخلاف ضجيج الأبواق و الردود المنفعلة المباشرة ففيها كما عليها توزع الأضواء و تحدد سيرورة الأحداث و توجه نحو الأهداف المرسومة، إي بالشفرة الواضحة و تجنبا لأي تورية أو ترميز هو ما يختبئ تحتهما من اشتغالات ناعمة للمخزن و تعمده بخلق مسافة مفتعلة بين أدواته السلطوية و الأطراف المجتمعية المتشابكة، ذلك بنهج أساليب التحكم عن بعد لضمان الحياد الإيجابي و عدم التورط في مجريات الأحداث و فصولها الملوثة!.

فهذه السلطة المخزنية التي من عادتها أنها شديدة الحضور و الفاعلية و تبصم كل عارض يطرأ على السيرورة المرتقبة للمجتمع المغربي تطرح أكثر من علامات الاستفهام ومن ثم الريبة تجاه سلوكها السالب في كلا الحدثين، ففي الحدث الأول، ثمة استغراب مشروع من مبررات سكونية و شلل أذرعها الأمنية حيال تحاشد الجموع الطلابية الصحراوية المدججة بالأسلحة البيضاء و الهروات قبيل وقوع الجريمة، وفي نازلة الخطبة، تجرؤ الفقيه يحيى المدغري و تسفيهه لمكون إثني، تاريخيا جد حساس، مرفوقا بتواطؤ الهيئات الدينية العليا، التي أمام هذه النازلة آثرت أن تغض الطرف و من ثم أسبلت أجفان الرقابة بشكل تام و كامل و على نحو غير معهود في مؤسسة حساسة عودتنا على متابعة كل شاردة و واردة في خطب الجمعة،التي هي أصلا مملاة حرفا و فاصلة كي يتلوها الخطباء الحفظاء بأمانة من على كل منابر المملكة!.

فسياسة المسافة الباردة التي يسلكها المخزن حيال هذه الأحداث لا تجد تعليلها إذن إلا في حرصه على صرف الأنظار و توجيه الرأي العام الداخلي نحو هاته الصراعات الإثنية التي تظل هامشية بالموازاة مع رهانات التغيير و الإصلاح السياسي الذي طالما يرجئه المخزن و طالما يفتقده الشعب.

في خضم التقلبات العرقية، الإثنية و الطائفية التي تعصف باستقرار و أمن شعوب الضفة الجنوبية لبحيرة المتوسط فإن مثل هذه السياسات تبدو مغامرة محفوفة بمخاطر الانقسام و التشرذم المجتمعي و مقامرة غير محمودة العواقب قد تأتي على الأخضر و اليابس في عقود الجفاف السياسي الذي نحن الآن في مستهل فصوله !.

ليست هناك تعليقات: