مركزتيفاوت الإعلامي
عن هسبريس حاوره: إسماعيل عزام
من مدينة أولاد تايمة أتى ذات مرة إلى الرباط حاملًا أحلام امتهان الصحافة، تخرّج من المعهد العالي للإعلام والاتصال، وبصم على مسار مميّز داخل القناة الثانية خوّل له تنشيط أحد أهم البرامج الحوارية المغربية في العقد الأخير، فجامع كلحسن، الذي لا يُذكر اسمه إلّا ويرتبط بـ"مباشرة معكم"، جعل من نفسه ضيفًا محبوبًا يحتل شاشات المغاربة كل أربعاء، دون أن تلاحقه مطالب شعبية بالرحيل.
ينتصر جامع كلحسن للمهنية بكثير من الإصرار، لم تدفعه السنوات الـ15 التي قضاها في رحاب قناة "رسمية" إلى الاستخفاف بالمسؤولية الملقاة على عاتقه. ولعلّ أكبر نجاحات كلحسن، أن أوقد شمعة أنارت الكثير من ظلمات الإعلام المرئي، وأن خلق للمغاربة موعداً للنقاش الجدي في أوقات الذروة، بعيدًا عن البرامج السطحية والمسلسلات الرديئة.
في هذا الحوار مع هسبريس، يتحدث جامع كلحسن عن سرّ استمرارية البرنامج منذ قصّ شريط افتتاحه في التاسع من مارس 2005، ويجيب عن مجموعة من الانتقادات التي تطال "مباشرة معكم" من قبيل عدم استدعاء بعض التنظيمات السياسية، كما يرّد على ما ترّدد من تحكّم لجهات معيّنة في مواضيع وضيوف البرنامج، عارجًا على الأسباب التي تركته يستمر كل هذا الوقت في القناة الثانية.
أوّلا، ما سر نجاح برنامج "مباشرة معكم" قياسًا لنسب المشاهدة، خاصة وقد أطفأ خلال الأسبوع الماضي شمعته العاشرة؟
النجاح قد يكون نسبيًا، لكن نظرًا إلى سياق الإعلام العمومي المغربي، ونسب المشاهدة المحترمة التي يحظى بها "مباشرة معكم"، يمكن أن أقول إن البرنامج ناجح، وهو ما يعود إلى جهد الطاقم الذي يعمل بجهد كل أسبوع في سبيل إيجاد مواضيع تهمّ المواطن وتخدم النقاش العام في المجتمع. كما أن نجاح البرنامج يزداد وضوحًا إن علمنا أن البرامج الحوارية على العموم لا تحظى بنسب مشاهدة عالية كتلك التي تحظى بها برامج المنوّعات.
لماذا لم تلاقي مجموعة من البرامج الحوارية في القطب العمومي النجاح ذاته الذي حققه "مباشرة معكم"؟
ليس من السهل أن تبحث عن موضوع للنقاش كل أسبوع، وتدعو مجموعة من الفاعلين الوازنين للمشاركة فيه مع ما يحتاجه ذلك من إعداد جيد وقدرة على إيجاد حلول لبعض المشاكل الطارئة كإعلان ضيف ما قراره بعدم المشاركة في آخر لحظة وبالتالي ضرورة استبداله بضيف آخر. أعتقد أن إكراهات البرامج الحوارية في المغرب، خاصة مع ضعف النقاش العام في المجتمع المغربي، متعددة ومتنوعة، لذلك يتوقف الكثير منها.
غير أن النجاح الذي تتحدث عنه لم يخلُ من انتقادات، ومن ذلك أن بعض المتتبعين ينتقدون تكرار استضافة بعض الوجوه؟
هذه المسألة معمول بها في غالبية القنوات العمومية التي تقدم برنامجًا حواريًا بهذه الصيغة، كما أن هذا التكرار ليس رغبة منا في تمييز وجوه عن أخرى، بل لما يتوفر في بعض الأشخاص من صفات تجعلهم قادرين على التفرّد في حواراتهم المرئية، بينما لا يحظى أشخاص آخرون بهذه القدرة حتى ولو كانوا بارعين في مجال عملهم أو نشاطهم.
ودعني أعطيك مثالًا، فالزميل يونس دافقير، من يومية الأحداث المغربية، يكون مقنعًا في تدخلاته ويُعِدّ بشكل جيّد لما سيقوله في كل مرة ندعوه للحضور، بينما زميل آخر، لا داعي لذكر اسمه، يظهر حضوره التلفزيوني ضعيفًا رغم أنه لا يقلّ تميزًا في عمله بالجريدة التي يشتغل فيها. في هذه الحالة، فأنا مطالب بدعوة من يكون حضوره قويًا حتى ولو دفعني ذلك إلى دعوته مرات ومرات.
وماذا عن إغفال بعض التنظيمات السياسية مقابل منح مساحة أكبر لأخرى؟
يجب أن أوضح أمرًا هامًا في هذا السياق، هو أننا نعمل في إطار قانون تسهر على احترامه الهيئة العليا للاتصال السمعي-البصري، وهذا القانون يلزمنا بنسب معيّنة للفاعلين السياسيين، فحيّز كل من الحكومة والأغلبية الحكومية والمعارضة هو 30%، أي بمجموع 90%، و10% المتبقية تعود إلى الأحزاب غير الممثلة في البرلمان. وتكفي العودة إلى أرشيف حلقات البرنامج كي يتأكد القارئ أنني استضفت وجوهًا من فيدرالية اليسار غير ما مرة، رغم مقاطعتها للانتخابات التشريعية.
وماذا عن جماعة العدل والإحسان، لماذا لا نراها في "مباشرة معكم"؟
القانون نفسه الذي تحدثت عنه يمنعنا من استضافة التنظيمات السياسية غير المعترف بها. للأسف، جماعة العدل والإحسان هي غير قانونية، وعندما تحصل على الترخيص القانوني، يمكنني آنذاك استقبالها في البرنامج.
وأيّ احتجاج في هذا الشأن، يجب أن يوّجه إلى "الهاكا" وليس إلى عبد ربه أو القناة الثانية، فإذا ما أسفرت هذه الاحتجاجات عن تغيير القانون، أي أن يُسمح باستضافة التنظيمات غير الحاصلة على الترخيص، فيمكن حينئذ أن أستضيف الجماعة في البرنامج، دون أن يكون لي دخل في وضعيتها القانونية.
ألم يتقلّص حيّز الحرية في البرنامج بعد خفوت الحراك الشعبي؟
وسائل الإعلام بصفة عامة تبقى عاكسة لما يحدث في المجتمع. خلال حراك 20 فبراير، كانت حدة النقاش السياسي والاجتماعي والاقتصادي في المغرب مرتفعة، وكان المغاربة يتطرّقون يوميًا في نقاشاتهم لقضايا حساسة عكسها الإعلام في تغطيته، ولا أتحدث هنا عن الإعلام المرئي وحده، بل المطبوع والمسموع والإلكتروني. أما الآن، فقد خفتت حدة النقاش، وطبيعي أن لا تعود المتابعة الإعلامية بالوهج السابق نفسه.
لكن هناك من يقول إن برنامج "مباشرة معكم" يتعرّض لضغوط تتحكم في طبيعة المواضيع التي يختارها ونوعية الضيوف الذين يستقبلهم؟
أؤكد لك ونحن نصل اليوم إلى السنة العاشرة من عمر البرنامج، وباستثناء مرة وحيدة، لم يسبق لأيّ جهة كانت، سواء من داخل القناة أو من خارجها، أن أملت على طاقم البرنامج المواضيع التي يجب أن يختار أو أسماء الضيوف، فنحن نعمل في استقلالية تامة لا يحدّها إلا الخط الذي وضعناه للبرنامج منذ بدايته.
أحيانًا تصلنا بعض الملاحظات المهنية من داخل القناة أو من بعض الزملاء، لكنها لم تصل أبدًا درجة التدّخل في البرنامج، وأؤكد لك أنه لا إدارة قسم الأخبار، ولا إدارة القناة، ولا حتى وزارة الاتصال، سبق لها أن تدخلت في سير "مباشرة معكم".
المرة الوحيدة التي تحدثت عنها آنفًا، تعود إلى يوليوز 2009، عندما اعترضت أوساط من داخل الحكومة على حلقة كان من المقرّر أن تدور حول أحداث سيدي إفني، وذلك بمبرّر إمكانية تشويش هذه الحلقة على عمل لجنة تقصي الحقائق، وهو ما دفعنا إلى إلغاء الحلقة، ولو كنا تفاوضنا مع الحكومة بشكل أكبر، ربما لم تكن هذه الحلقة لتلغى.
هل لك أن تقرّبنا من سير عمل البرنامج؟
في الغالب نجتمع يوم الخميس أو الجمعة للتداول في الموضوع وفي أسماء الضيوف، ثم نبدأ الاتصال بهم خلال نهاية الأسبوع، يوم الاثنين تكون لدينا صورة تقريبية عن الحلقة، يبدأ الزملاء في إعداد الربورتاجات المصاحبة للحلقة، نعيد الاتصال بالضيوف لغرض التأكيد، ثم تأتي آخر ترتيبات البث، وأخيرًا موعد اللقاء مع المشاهدين، دون أن أنسى التذكير بأن اعتذار بعض الضيوف عن الحضور في آخر لحظة، سواء لأسباب خارجة عن إرادتهم، أو لأسباب أخرى، يضعنا في مأزق حقيقي، إذ نبدأ اتصالات مكوكية لأجل تعويضهم، فنحن نرفض الاستسلام لمنظر الكرسي الفارغ.
هناك مقولة تدور في الأوساط الإعلامية، وهي أن الصحافي الذي يبقى طول الوقت مع مؤسسة واحدة، هو صحافي فاشل. كيف ترّد على هذه الفكرة وأنت الذي تعمل في القناة الثانية منذ 15 سنة؟
هذا القول يمكن أن يكون صحيحًا في بلدان أخرى تشهد تنوعًا كبيرًا في العرض، أما في المغرب، فالخيارات جد محدودة، ولا يصير الصحافي فاشلًا إذا ما بقي في مؤسسة واحدة. سبق أن توّصلتُ بعرض للعمل بقناة أجنبية عام 2010، إلّا أن التصوّر لم يكن مناسبًا لي، لذلك آثرت البقاء في القناة الثانية.
لم نسمع يومًا من جامع كلحسن أن أبدى رأيه في قضية ما أو حدث ما يشهده المغرب، الأكيد أن ذلك صعب في برنامج تقوم بتنشيطه، لكن مواقفك وأحكامك الخاصة لا نجدها أبدًا في صفحتك على فيسبوك أو في مقال رأي ما. ألهذه الدرجة تحرص على البقاء محايدًا؟
نعم، فمن أخلاقيات تنشيط البرامج الحوارية السياسية، أن يتحفظ الصحافي عن الإدلاء برأيه أو مواقفه، وأن يكون على مسافة كاملة من جميع الفاعلين السياسيين. هناك نقاش مستمر حول إذا ما كان فيسبوك فضاءً شخصيًا أو فضاءً يختلط فيه المهني بالشخصي لدى الصحافيين، لكنني في كل الأحوال، اعتبر أن الكشف عن مواقفي، في أي وسيلة كانت، من شأنه أن يضرّ بطبيعة عملي.
لكن ألّا تضرب هذه القناعة حقًا طبيعيًا للمواطنين قبل الصحافيين، وهو الحق في التعبير؟
نعم، صراحة أحس بالحرمان عندما أجد نفسي غير قادر على الإدلاء بالكثير من الآراء الخاصة، لكن في نهاية الأمر، لا حلّ لدي غير كتمها.
أعلم أن ذلك يعدّ موقفًا، لكنه يندرج في صميم عملك، كيف تنظر إلى واقع الإعلام العمومي المغربي، خاصة في ظل الانتقادات التي توجه إليه؟
أعتقد أنه يجب الاعتراف بكون الإعلام المرئي قد خطا خطوات مهمة نحو الأمام في المغرب، ولكن انتظارات المشاهد تبقى أكبر ممّا هو موجود حاليًا، فبإمكانه تمييز الغث من السمين والجيد ومن الرديء، وبالتالي فقد صار لزامًا على الدولة بذل مجهود أكبر في سبيل تطوير هذا الإعلام كي يستجيب لحاجيات المشاهدين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق