| الماثر التاريخية بتنغير |
من الظهور البهلواني لرئيس الحكومة الحالي حين وصف حروف تفيناغ الامازيغية ب?الشنوية ? مرورا بالاستمناءات العرقية العقيمة للمقرئ ابو زيد ''الادريسي'' و هو يسخر من امازيغ سوس الشرفاء واصفا إياهم بالبخل و بنبرة مليئة بالعنصرية انتهاء بمؤامرة يتم نسج خيوطها هذه الأيام بين السلطات المحلية لمدينة تنغير و ثلة من "الأشخاص" لهدم و القضاء على قصبات و مساجد افانور العريقة يتضح أن حال الامازيغية ليس على ما يرام رغم التحول الطارئ في الخطاب الرسمي للدولة المغربية إزاءها بعد إعلان رسميتها في دستور المملكة الأخير.
مما لا شك فيه أن الامازيغية رغم ترسيمها في دستور البلادِ لا تزال تعاني من غياب إرادة حقيقية لإعادة إدماجها في كل مناحي الحياة العامة لتضطلع بدورها الأساسي باعتبارها لغة و هوية غالبية الشعب المغربي نظرا لغياب استراتيجيات التفعيل الحقيقي لمقتضيات الترسيم على ارض الواقع. الأخطر من ذلك هو بروز مجموعة من المؤشرات السلبية تنذر بتراجعات جد خطيرة تمس و تهدد في الصميم الوضعية الراهنة للامازيغية كلغة و كثقافة و كحضارة. من جملة تلك التراجعات التي تمس الشق الحضاري في مغرب ما بعد إعلان رسمية الامازيغية مؤامرة الهدم و التدمير التي يتم الإعداد لها وفق مشاورات برداء امني و تطهيري بين السلطات المحلية لمدينة تنغير و نفر قليل جدا من الأشخاص للقضاء على تراث مادي حضاري و إنساني يختزن بين ثنايا جدرانه تاريخا و حكايات و الغاز تهم واحدة من القبائل الامازيغية التي اختارت إحدى ضفاف وادي تودغى مستقرا لها لعصور من الزمن لتنخرط كغيرها من القبائل المجاورة و المنافسة في غالبية الأحيان في حياة الاستقرار و التعمير و الزراعة و الحرب و الهدنة و السلم حسب الاملاءات و الشروط الذاتية و الموضوعية لكل حقبة زمنية. لتتميز و تتفرد عن غالبية تلك القبائل بحيازة تراث لا مادي نادر يتمثل في?أعراف? مكتوبة خاصة بها إضافة إلى?مؤلف التوحيد ? الذي لا زال محفوظا و منقوشا في صدور شيوخ و عجائز آل تودغى مما يعكس السبق النخبوي و الثقافي لتلك القبيلة.
المطلوب من السلطات المحلية هو دعم كل ملاكي تلك القصبات من أجل ترميمها و إعادة الحياة إليها و تشجيعهم على الاستثمار فيها سياحيا لمحاربة نسبة و لو ضعيفة من البطالة و النهوض بها ثقافيا لتثمين الموروث العمراني المحلي و تعزيز أواصر الانتماء الحضاري. إن أي مبادرة تهم مصالح الأفراد و و الموروث المحلي بشكل عام يجب أن يكون ذو صبغة و آثار إيجابية لا أن يبدأ ب "الهدم و التخريب" تحت دواعي أمنية. إن التذرع بمخلفات ظواهر غزت العالم و ليس المنطقة لوحدها (انتشار المخدرات مثلا) للانقضاض و القضاء على موروث ذو رمزية ثقافية و وجودية و حضارية و هوياتية و معمارية جمالية يقبل تأويلين اثنين هما سيادة منطقي "السردنة" و"التسردن"لدى من يخطط لعملية اغتيال قصبات و مساجد أفانور التراثية القديمة.
المنطق الأول يتمثل في عملية "سردنة = إستبغال" الساكنة المحلية و الظهور بوجه الذكي الحاذق الذي يتقن تقنيات الاستدراج وفق منطق المؤامرة و إستراتجية الضربة القاضية في حلبة مجردة من التحكيم و الجمهور بعد تخطيط جد محكم. و المنطق الثاني يتمثل في نهج أسلوب بصيغة "تسردن = تبغل" مكشوف حيث يظهر الطرف الراغب في الهدم مدركا تمام الإدراك حجم الأرباح التي سيجنيها بعد الهدم و التخريب بوجه الساذج و الغبي ذو النظرة الكونديدية السطحية للعالم و الأشياء مدججا بمبررات و أعذار أمنية لن ينهي أثارها السلبية إلا العمل الجاد و الإحساس بثقل المسؤولية و الإخلاص في العمل و حب جميع لغات و أعراق و معالم و آثار هذا الوطن دون هدم و تخريب و تمييز و عنصرية و استصغار لأي من مكوناته.
إن محاربة المخدرات أضحت اليوم معضلة حقيقية محليا و ووطنيا و دوليا لما لهذه الظاهرة من أثار سلبية على المجتمع و الدولة معا. لكن التصدي لها لا يجب أن يكون بالقضاء على أسوار و معالم و مآثر تحت غطاء أمني تطهيري لأنها تؤدي بدورها رسالة أمنية من نوع خاص. أمن الحضارة الأمازيغية المحلية من الاندثار و الزوال. أمن نفسي وجداني و أنطولوجي لساكنة محلية أغلبها فتح عينيه على الوجود بين أحضان جدرانها المبنية بطين و تبن أرحم بكثير من قرارات و استفزازات و أحقاد المسؤولين و أشباه المثقفين و المقرئين.
إن القضاء على المخدرات يجب أن ألا ينظر إليها من زاوية كونا "نتاجا" فقط بل وفق تصور يستحضر "صيرورة" استفحالها في مجتمع تنغيري انتقل و في زمن قياسي من مجتمع محافظ إلى شبه محافظ. بمعنى استحضار كون ظاهرة انتشار المخدرات و التخوفات الأمنية التي تتولد عن ذلك يستلزم ربط أسباب انتشار هذه الظاهرة بسياقات و أبعاد اجتماعية و مؤسساتية كبرى منتجة و محيطة بمجتمع مستهلكي و مدمني المخدرات. وفي هذا الصدد، فتتبع أسباب إقبال عينة من الشباب على إدمان المخدرات شباب سيكشف تضافر مجموعة من العوامل تبدأ بدور المدرسة و الأسرة و الدولة ثم المحيط فالإعلام. من الواضح أن أغلب مدمني المخدرات بالمنطقة كانوا ضحايا سياسة تعليمية تتجاهل استفحال الهذر و الفصل المدرسيين و لا تبلور إستراتيجيات احتضان فعالة لمواجهة هذه الظاهرة في فترات ما بعد الانقطاع المدرسي . زد على ذلك محتوى المقررات التعليمية الذي لا يراعي الخلفية اللسانية و الثقافية الأمازيغية الصرفة للطفل التنغيري مما يؤدي لصعوبة الاندماج و النفور من المدرسة ثم الارتماء في أحضان شارع غزته كل أشكال و ظواهر الانحراف في ظل انعدام مؤسسات الاحتضان و إعادة التأهيل إلى جانب الأندية الرياضية و المراكز الثقافية و التي يفترض من الدولة أن توفرها لصالح أطفال و شباب ألقي بهم في درب مجهول سرعان ما ينتهي بهم المطاف مجبرين في مستنقع المخدرات و الإجرام. دون أن ننسى مساهمة عامل الأسرة في انتشار إدمان المخدرات في أوساط الشباب و الأطفال. فغالبا ما نجد أسر هؤلاء الضحايا ترزح تحت وطأة الجهل أو الفقر أو هما معا مما يجعل مهمة تتبع الحالة النفسية و الاجتماعية للطفل المفصول عن الدراسة أمرا مستعصيا عليها في ظل إعلامي "إستبغالي و إستحماري" ينأى بنفسه عن لعب ادوار توجيهية وتربوية و تكوينية لينشغل بعرض أفلام عنف و انتقام و أخرى سريالية تغريرية.
آن الأوان للسلطات المحلية الحاملة لمخطط الهدم أن تتحلى ب"الإيجابية" بدل السلبية و ذلك بإعلان أو مباركة) على الأقل( مبادرة ترميم و إصلاح قصبات و مآثر أفانور العتيقة جدا. إن ما يجب أن تدركه تلك السلطات أن محاربة المخدرات القائم على هدم معالم حضارية لن ينتهي بها إلا في "دورة هيرمينوطيقية أمنية" لا تنتهي بحيث سيتم القضاء على الثابث في الزمن المادي و النفسي للساكنة (أي المساكن و المساجد القديمة) و الإبقاء على "المتحول/المتغير" حسب المكان و الوجهة الجديدين لمروجي المخدرات ( انتشار المخدرات و الهواجس الأمنية المصاحبة لها) أولا و وثانيا "حسب عزم و جهود و نجاعة عمل مسؤولي الأمن" بالمنطقة.
ألا يحق لمدينة تنغير أن تمتلك واجهة قديمة تزخرف حاضرها و تدود عن هويتها المتوغلة في التاريخ و تحكي عن ماضيها الغابر بانتصاراته و هزائمه ، تحالفاته و تشققاته ، أفراحه و أتعاسة، فترات أمنه و لا أمنه، طقوسه وعاداته القائمة و الزائلة ... هل مدينة تنغير لم تولد في "فترة التاريخ" كي نحرمها من عناصر و مكونات الانتماء إلى التاريخ مثل فاس و الرباط و الدار البيضاء و غيرها من مدن "المركز" التي حافظت على مدنها القديمة؟ كل ما أخشاه هو أن يتم هدم قصبات و مآثر مدينتنا التعيسة و يتم استبدال أسماءها المحلية الحبلى بالرمزية بأخرى مستوردة ذات رمزية كذلك. أخشى أن يستبدل "إغرم ن أفانور" القديم مثلا ب "تجزئة" عقبة بن نافع أو "حديقة" موسى بن نصير!
يعترفون بك على الأوراق، و يتحينون الفرص لضربك في الأعماق!!!
حمزة الشافعي
أفانور، تنغير
7/01/2014
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق