بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 11 يناير 2014

الدعوة إلى الله في ظل الاستبداد السلطاني

د.سعيدة الصديق


دعوة الله التي عادت تتم في ظل الاستبداد وقد أحيط بالحكام من كل جانب يكاد السقف يهوي بهم وتخر عليهم الجبال من شر صنيعهم ومما يكيدون له للمؤمنين مفسدون في الأرض غير مصلحين وينقلب عليهم كيدهم وسحرهم أولئك هم شر الخلق أجمعين الملوك والسلاطين. ولا يزال عباد الله المكرمين يدعون وينصحون من بعد دعوة المرسلين المختارين وأورثها عباده المخلصين واستخلفهم ولو بعد قرون من الاستبداد والتدمير.
رحم الله أولئك الأولين من ورثة النبوة من أمثال سيدنا الجيلاني الذي عرى عن الوجوه وفضح ما تطويه النفوس وكشف خبايا العباد من نفاق ورياء لدى السلاطين والأثرياء من عباده الذين كانوا يلبسون جبة المسجد في النهار ويتراقصون من السكر ويتعربدون في الليل حين تنام العيون ولا تبقى إلا عين الذي لا ينام. رحم الله شيخ الإسلام أبا حامد الغزالي الذي فضح ضعف السلاطين من زمانه لأنهم كانوا يولون من هم ليس بأهل لها وخربوا الدين واستعلوا على السواد. وكانت حاشيتهم ممن لا دين لهم مرقين يسيرون البلاد الإسلامية بتقاليد من بلاد العجم ويختلطون بهم ويقيمون الليال البيض فيصبحون سكارى فكيف لهم أن يقيموا شعائر الدين. فضحهم الغزالي بالتلميح والتلويح وفضح باقي العباد علنا في كتابه "إحياء علوم الدين" يفضح في النفوس ويكشف عريها وضعفها أمام الناس وأمام نفسها وأمام الله ويصف كيف هي صلاتها وحجها وباقي أعمالها ليس ظاهرا ولكن باطنا.
كيف له أن يكشف البواطن إلا أن يكون قد ملك مفاتيح علم العارفين الذين خصهم الله بعلم الأولياء المقربين. وما ابتعاد الغزالي عن السلطان بعد أن نصحه وأبان عن قرب وحتى حين ابتعد عنه لما حصل القحط وجاع السواد فلم يجد نصحه أمرا هم السلطان. ولم ينج من بوائق السلطان وفساد الحكام إلا بعد أن ذهب مخلصا نفسه من كل سلطان ظاهر وخفي وترك العلم الضخم الذي وهبه له الديان وراح يبحث عن شيخ مجرد من كل شيء قد ينفخ في النفس فتتكبر وتذلل أمام شيخه فحصل له الفتح الكبير والمبين، بأن رأى الحق أمامه وكأنه يراه بعين الحق.
رحم أولئك الرجال الذين خدموا دعوة الله لا يخافون حاكما ولا يخشون سلطانا ووهبوا النفس والمال لخدمة دعوة رب العباد. ولا يزال سواد الناس في زمننا يعانون من سطوة السلطان وتجبر حاشيته وأعوانه الممثل في هيأة المخزن الذين تربوا في أحضان المستعمر الفرنسي الفاسد والمتوحش وتعلموا منه كيف يبطشوا بالسواد ويعدموهم العيش ويفقهروهم ويقهروهم ويجردوهم من الدين وهو السلاح الوحيد لدى السواد لمواجهة ظلم الحكام وبوائقهم والفساد الذي عم مرافق الحياة وتسيير الدولة.
في ظل حكم هؤلاء السلاطين المورثين خلفا عن سلف عاد السواد يخاف من المخزني ومن المقدم ومن كل أعوان المخزن الذين يتجرأون على العباد وينتهكون الأعراض ولا يوقرون أحدا بل يتطاولون على العلماء الأتقياء والأولياء الأصفياء والدعاة التقات. صار السلطان يتفنن في بت الفتن ويتربص بكل مؤمن يقوم بدعوة العباد إلى عبادة رب العباد باتباع شريعته وسنة صفيه المصطفى عليه الصلاة والسلام. حتى صرنا نسمع عن اعتقالات جماعية في صفوف العاملين في دعوة الله لا يتورع فيها ولا يميز فيها بين الرجل والمرأة ويتعرض السجناء لأبشع انواع الاتهامات من التعامل مع الحركات الإرهابية والقيام بالتفجيرات كالتي حصلت بالبيضاء. وكان على إثرها اعتقالات بالجملة تعرض المعتقلون فيها لأبشع أنواع التعذيب لم تعرف أي سلطة غير المغربية مثيلا لها. حتى صرنا لما صرنا له من انتهاكات حقوق المواطن المغربي الذي لم تعد له حرمة ولا عرض ولا كرامة ولا مواطنة وعد من فضلات المخزن الذي تآمر على شعب استبد به لقرون طويلة وامتهن كرامته وسرق أمواله العامة واغتصب حقوقه ولم يترك له شيء. حتى دينه الأصل الوحيد الذي لا يزال يتشبت به أراد أن يقتلعه منه بأن بت في البلد كل أنواع الفساد والإجرام الجنسي. وصار التهديد بالاغتصاب الجنسي عقوبة ترفع في وجه كل من تجرأ ورفض سياسة الاستبداد والقهر والتفقير والتجويع والبطالة والعطالة والمستقبل الغير الواضح لشباب لم يعترف وطنهم بحقوقهم المواطنية حتى اضطروا لرمي انفسهم في أعماق البحار لعلهم يتخلصوا من عار كبير أصاب أوطانهم أو يضيعوا في بوائق المخدرات والخمور والويلات التي يتاجر بها من استغنوا في البلد على حساب تفقير وتجهيل وتقبير شعب.
وما هي إلا دنيا امتحان وبلاء وابتلاء يبلوا بعضهم ببعض فيسلط الأشرار من خلقه على خير الناس ليرى صنيعهم ويمتحنهم حتى يرفع شأنهم ويستخلفهم بوعد منه في كتابه المبين. استخلاف قد ظهرت أماراته وبانت علاماته وينتهي عهد الظلم والقهر والاستبداد والحكم بالنار والحديد. سيحصل الاستخلاف فهو وعد الرحمن، بعد أن يثبت إيمان المستضعفين ويحسن دينهم ويحسنوا لعباده المستضعفين فيخرجونهم من بوائق الظلم والفقر فقد كاد الفقر أن يكون كفرا كما جاء على لسان سيدنا علي كرم الله وجهه صاحب باب مدينة الحكمة والحارس على الدين.
فلا زالت تلك دعوى السلاطين والمستكبرين على العالمين حتى حل السخط بهم وعم البلاء في البلاد وأصبح القحط يجثم على الفلاحين حتى وإن أتى الغيث وفاضت المياه بل قد تحصل فياضانات والمخزن لا يزال يشكو من قلة الماء والجفاف. حقا إنه جفاف ولكن ليس بجفاف الأرض ولكن الجفاف قد حل بمن يحكم الأرض وأصبح ترابا تدريه الرياح، رياح السياسة الدولية ورياح العالمية والعولمة ورياح اليهود الذين دبروا سياسة البلاد من دهاليز قصورهم ووضعوا الآن يدهم في يد الصهاينة الذين قتلوا العباد وحاصروا كل بقاع فلسطين وتطاولوا على الأقصى واستوطنوا كل الأراضي وكادوا يبيدون الشعب الأعزل وسجنوا أغلب الشباب وعملوا المحارق التي لم يسجل التاريخ مثيلا. كيف لهم أن يقبلوا التطبيع مع الصهاينة في هذه المرحلة الحاسمة من الهجوم على الأقصى والشعب المغربي كله قد خرج في مسيرات مليونية تضامنا مع إخوانهم في فلسطين وتنديدا بجرائم الكيان الصهيوني الغاصب. ولا تزال الرياح تعصف بمرافق الدولة من صحة وتعليم واقتصاد وبرلمان فارغ من معاني التداول والتعددية وكراسي شكلية لا تمثل السواد بل تمثل مصلحة الحكام.
لكن لا يزال بالبلاد علماء أتقياء ممن أخلصهم الله له من الأولياء المجاهدين يتصدون للسلطان ويفضحونه علنا ويكشفون للسواد بوائقه وارتداده عن الحكم بما أمر الله فنصحوا له وأبلغوا في النصح في رسالة مطولة وصلت مائة صفحة، "الإسلام أو الطوفان" بعثها للملك الراحل الحسن الثاني. ثم لخلفه محمد السادس رسالة تذكيرية لرد المظالم للشعب المغلوب على أمره عنونت ب"إلى من يهمه الأمر". ولم يلق منهم اعتبار المنتصحين بل لقي الناصح ما لقيه من السجن الذي يفني وأدخل مستشفى المجانين. اتهم بالجنون وبفقد الصواب حتى لا يعبأ بأمره السواد ويقولون عنه مخرف يهذي بعد أن تركه إخوانه وتخلوا عنه.
لكنه كان الله معه وكان الأمر له من قبل ومن بعد فأقام الجماعة وكان المربي الناصح الذي يوفد عليه السواد فيخلصهم من البوائق والغبش الذي غطى على العيون والقلوب مدة الحكم العاض والجبري الذي أظل العباد عن معرفة الله وعبادته والإخلاص فيها. فكان المخلص حقا وحقيقة وأدخل العباد بعد قرون الاستبداد والاستبلاد إلى رحاب العدل والإحسان وعلم في مجالسه التي فتحها للعامة وأتاهم بعلمه حيث جالسهم في المساجد ولم يتكبر وتواضع للكبير والصغير ونال منه السعيد الحظ العظيم وسلك معه الطريق وصدق باليقين وبذل النفس والمال والوقت في سبيل دعوة الله يرجوها تجارة رابحة تذخر له عند رب العالمين وما هي إلا للموفقين ممن كانت له السابقة في الكتاب المحفوض. لعلك لا تزال تساءل عن هويته التي لم أكشف بعد وكان حري بي أن أعرف قبل أن أقدم ولكن المعروف لا يحتاج لتعريف وقد خصه الله بقربه وجعله من خاصة خاصته ولا يزال هو يتواضع للعلي المتعال ولا يزال يتقرب ويتعبد ويتزهد حتى يأتيه اليقين.
ولا زلت جماعته تكن له الود للفضل الكبير الذي كان السباق له في بلاد أخرس فيها العلماء والدعاة والوعاظ تحت حد القمع والتعذيب والتغبير وكل انواع الانتهاكات الإنسانية. ولا يوفق في زمن الفتن حين يصير المسلم غريبا كما كان حين بدأت دعة الحق مع النبي الأمي محمد عليه الصلاة والسلام. ولا يزال العباد التواقين لربح دنياهم وآخرتهم متعلقين بتلابيب ذيله ويسألون الرحمن أن يوفقهم لمحبة عباده المخلصين وأن ينفعهم بصحبتهم ويوفقهم أجمعين لما وفق له سيدنا محمد المصطفى الأمين عليه صلوات الله وسلامه. إنه العالم المجاهد عبد السلام ياسين صاحب "المنهاج النبوي" وغيره من الكتب التي قد تنور الطريقك للسير على النهج النبوي القويم والجهاد بالكلمة حين ضيعت الأمانة من طوق العلماء الذين من المفروض أنهم ورثة الأنبياء. ولكن لنذكر هنا بالحديث النبوي الذي معناه أن أغلب علماء الأمة المسلمة في زمن الفتن من المنافقين الذين يداهنون الحكام، أو كل قارئ عليم اللسان.
حاول الأستاذ عبد السلام ياسين عبر بناءه المهيكل والمنتظم للجماعة خلق محضن كبير للعمل التربوي الممنهج حتى يرتقي المسلم من غفلة الغافلين وإسلام العادة والوراثة إلى نور الأنوار من الإيمان إلى الإحسان إلى سنم الدين ألا وهو الجهاد بدءا من جهاد النفس وانتهاءا إلى الجهاد الأعظم. ولا يزال يعلم الخاص والعام أن فقه الدين كل متكامل لا يمكن فصل بعضه عن بعض فهو الذي به يساس الناس كما ساس المصطفى عليه الصلاة والسلام الأمة في بداية الأمر وخلفه الصحابة الكرام الخلفاء الراشدون واتبعوا نهجه وساروا على نفس خطاه ومنواله وأبلوا البلاء الحسن في إقامة دين الله.
وقد أبان بأنه بالدين تتم المعاملات وبه يعبد خالق العباد وعرف موضع الداء، فعرفه للناس وقال إنه هو فساد الحكم والسياسة الغير الشرعية التي تساس بها البلاد. فلما عرف سبب الداء أيقن الناس من قوله لكنهم خافوا من بطش السلطان على أنفسهم ولم يكونوا مأهلين لمواجهة السلطان الذي حسبوه راعيا للدين وقائما على أمر المسلمين ولا حيلة مع بطش السلطان إلا السجن أو القتل. وكان قد جهز كفنه وأعد نفسه للموت وما هو أعتى من الموت التعذيب مع الإبقاء على الحياة وكان مع الله فكان الله معه وشد أزره وقواه بجماعة المؤمنين الذين ساروا على خطاه من جهاد وقيام وتزكية للنفس التي هي سر من أسرار الله في خلقه ولا يعرف أسرارها إلا عارف بالله وهبه الله علم الأولياء المسلكين.
ولم ينته الأمر هناك فرغم أن الجماعة قد أكدت الجماعة منذ البداية رفض العنف وركزت على العمل في إطار المشروعية والقوانين المعمول بها، إلا أنها قوبلت بالقمع والمطاردة والمتابعة في كل أنشطتها الحركية والتربوية وهذه حقيقة لا يمكن نكرانها على كل حال. فأعضاء من جماعة العدل والإحسان يواجهون طيفا واسعا من انتهاكات لحقهم في حرية تكوين الجمعيات. وعلى الرغم من أن جماعة العدل والإحسان تدعي أنها حصلت على الاعتراف القانوني في عام 1983 واحتفظت به منذ ذلك الحين، تخضع السلطات أفرادها لنظام المراقبة والمضايقات. وتعتقد المنظمة أنها أكبر حركة دينية في المغرب وأقوى قوة معارضة في البلاد تسعى إلى إعادة أسلمة المجتمع المغربي. فهي تريد الحد من سلطات الملك التنفيذية وتعترض على المادة 19 من الدستور، التي تضفي على الملك سلطة دينية بوصفه "أمير المؤمنين". بالإضافة إلى تقييد ومضايقة جماعة العدل والإحسان وأعضائها بشكل مباشر، تطبق السلطات في جميع أنحاء البلاد أشكالا مختلفة من الضغوطات على الجمعيات التي ليست مرتبطة رسميا بالعدل والإحسان، ولكن قيادتها تضم أعضاء من تلك الحركة. السلطات المحلية نادرا ما تعلن عن تبريراتها لهذه الإجراءات وغيرها التي تعوق هذه الجماعات، كما أنها نادرا ما تعلن عن مبرراتها عندما ترفض أن تتسلم وثائق جمعيات أخرى أو إصدار وصل الإيداع. ومع ذلك، فأعضاء الجمعيات المتضررة يقولون إنهم توصلوا لفهم أن المشكلة تكمن في اختيار الجمعيات كقادة أشخاصا ينتمون إلى جماعة العدل والإحسان. وقد وثقت الحركة محنة عشرات المنظمات التي زعزعت السلطات الإدارية المحلية استقرارها بهذه الطريقة.[1]
لا حق المخزن منبر الجماعة الإعلامي بجميع أشكاله منذ التأسيس فكان للصوت الإعلامي لجماعة العدل والإحسان النصيب الأوفر من مصادرة الحق في التعبير عبر سلسلة من المضايقات والحصار والقمع. كانت مظاهرها من خلال المنع من تغطية الأحداث، إذ يمنع المراسلون من ولوج مسرح الأحداث ويتم اعتقالهم أحيانا واحتجاز بطاقتهم المهنية. كما تم المنع من الطباعة إذ تلجأ السلطات لتهديد مالكي المطابع لعدم طبع الجرائد وتم احتجاز ممتلكات وتجهيزات مطبعة لم تستجب لهذه التهديدات. كما تم المنع من التوزيع بامتناع شركات التوزيع عن التعامل مع إعلام الجماعة، مما دفع الجماعة إلى توزيع مطبوعاتها عبر أعضائها والمتعاطفين معها، فتم اعتقالهم ومتابعتهم قضائيا، كما صدرت تعليمات لأصحاب الأكشاك بعدم قبول مطبوعات الجماعة. وبذلك منعت كل المنابر التي كانت الوسيلة للتواصل بين الجماعة وجمهور الناس بدءا من مجلة الجماعة التي عرفت النور في سنة 1979 وتم مصادرتها أعدادها الخامس والعاشر والسادس عشر ثم تم توقيفها نهائيا في 1985. ونفس المصير لحق بجريدة الصبح التي عرفت النور في 1983 وقد صودر عددها الثاني ثم تم توقيفها نهائيا في نهاية 1983. ونفس المصير جرى على جريدة الخطاب وجريدة الفتوة وبذلك تم طمس بتعسف وهمجية حرية التعبير من منبر الإعلامي للجماعة فلجأت لوضع المواقع التي لم تسلم هي الأخرى من الحجب. ومع ذلك ظلت الجماعة تسعى بقوة للتواصل مع جمهور الناس وتبلغ مشروعها الطامح لبناء الذات المؤمنة والمجتمع على مبادئ العدل ونبذ الظلم وأصحابه من خلال اللقاء مباشرة ومجالسها المفتوحة ومع ذلك لم تسلم مجالسها وأنشطتها المختلفة من المطاردة بجميع الأصناف من اعتقال وحجز في المخافر وتشميع للبيوت ومتابعة في الأرزاق والسرقة للممتلكات واللائحة طويلة...
تتعرض جماعة العدل والإحسان لحملة مخزنية منذ أواخر شهر ماي 2006 تداخل فيها القمع البوليسي بالتشويه الإعلامي والحصار السياسي والمحاكمات والاختطافات بهدف إسكاتها ووقف توسعها وانتشارها وخاصة بعد النجاح الملحوظ الذي لقيته مبادرة "الأبواب المفتوحة" التي نظمتها آنذاك الجماعة، والتي لقيت إقبالا كبيرا للمواطنين على موادها وفقراتها.... تستدعي طرح بعض التساؤلات حول أسبابها، وأهدافها، وخلفياتها، وتستدعي، قبل ذلك، الوقوف عند علاقة السلطة بجماعة العدل والإحسان طيلة عقود من الزمن حاولت فيها احتواءها أكثر من مرة مستعملة مختلف الوسائل وشتى الأساليب من قبيل:
القمع: تعرضت الجماعة وقيادتها وأعضاؤها لكل أنواع القمع المخزني (اختطافات، اعتقالات، مضايقات، محاكمات ...) حتى وصل عدد أفراد الجماعة الذين زاروا مخافر الشرطة وتعرضوا للتعذيب أو الاستنطاق عشرات الآلاف، ووصلت الأحكام الصادرة في حقهم إلى قرون. ولكن ذلك لم يغير رأيهم ولم يضعف عزيمتهم ولم يفتت إراداتهم وبقيت الجماعة صامدة واكتشفت السلطة فشل هذا الأسلوب ففكرت في نهج أسلوب مخالف.
- التعتيم: عمدت السلطة إلى التهوين من شأن الجماعة، ومن شأن مواقفها؛ ولجأت إلى خنق حركتها التواصلية مع الغير، وحرمانها من حقها في الإعلام والتجمع والتظاهر والتعبير، ناهيك عن حقها في الإعلام العمومي الذي يمول من جيوب المواطنين، وأعضاء الجماعة جزء منهم. ولكن هذا التعتيم لم يزد الجماعة إلا انتشارا، ولم يزد الناس إلا إقبالا؛ والتزايد العددي لأعضاء الجماعة وأنصارها خير شاهد على فشل هذا الأسلوب. وقد أتيحت مناسبات كثيرة وضحت فشل هذا الأسلوب حيث لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
المنع: لم يكن أمام السلطة إلا اللجوء إلى حل غير قانوني للتخلص من "الإزعاج" الذي صارت تسببه لها جماعة "العدل والإحسان"، فلم تجد من حل إلا منع كل ما له علاقة بجماعة العدل والإحسان:
- الجماعة ممنوعة وغير قانونية رغم أنها استوفت كل إجراءات التأسيس القانونية والإدارية، ورغم حكم القضاء، ابتدائيا واستئنافيا ونقضا، بقانونيتها.
- أنشطة الجماعة محظورة في كل المنتديات العمومية.[2]
ولأن الدولة المغربية كغيرها من الدول النامية، التي تخلط بين حقوقها "الشرعية" وسلوكاتها السلطوية، فإنها تلجأ بشكل دائم ومستمر إلى توظيف آليات الإخضاع وأدوات التطويع بغية تركيع خصومها وإضعافهم. ولعل من ضمن، وعلى رأس، هؤلاء "الخصوم" جماعة العدل والإحسان التي عرفت بمواقفها القوية ومعارضتها الجذرية.
المتابع لتفاصيل معركة النظام السياسي المغربي مع العدل والإحسان يخلص إلى توظيف النظام المكثف والمتنوع لآليات الإخضاع السياسي سعيا منه لتطويع الجماعة، فمن الإبعاد والتهميش، إلى الحلّ والحصار، مرورا بالمحاكمات والاختطافات، وليس ختاما بالقمع المباشر وتشميع المقرات والبيوت والتضييق على الأرزاق والأوراق الإدارية، غير أن آلية الاعتقال السياسي تبقى أهمها وأبرزها، لدلالتها السياسية الأوضح ولمساسها بكثير من قيادات الجماعة وقواعدها.[3]
ومن المعلوم أن مجالس النصيحة عرفت مداهمات بوليسية في مختلف مناطق المغرب واعتقالات المشاركين فيها.
ومنذ صيف 1999 انطلقت الروابط والتجمعات التي تدوم أربعين يوما في مختلف الشواطئ وقد عرفت إقبالا كبيرا وبالموازاة مع ذلك تم فتح العديد من المدارس لحفظ القرآن والاعتناء به. وفي سنة 1999 كذلك صدرت جريدة رسالة الفتوة، لسان حال شباب العدل والإحسان وجريدة العدل والإحسان وانطلاق مواقع بشبكة الإنترنت خاصة بالجماعة، إلا أن هذه المنابر عرفت مضايقات ومنعا من قبل السلطات الأمنية.
وفي 28 يناير 2000 ظهرت مذكرة إلي من يهمه الأمر وتزامن ظهورها مع الذكرى العاشرة لحصار مرشد الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين، وهي مذكرة دعوة الملك إلي التوبة بإعادة مآل الأمة إلى الأمة وإقامة البيعة بناء على تعاقد بين الحاكم والمحكومين ودعوة إلى تطهير الإدارة من براثن الفساد لإعادة الثقة وإنقاذ البلاد. وقد صودرت جملة من المطبوعات بسبب نشرها لتلك المذكرة، ومن ضمنها جريدة المستقل بالعربية وجريدة لوكوتديان بالفرنسية و لوروبورتير بالفرنسية. وكلها جرائد حرة غير حزبية. كما توبع جملة من أعضاء الجماعة بتهمة توزيع تلك المذكرة في عدد من المدن المغربية.
وفي 15 مايو 2000 تم رفع الحصار والإقامة الإجبارية على المرشد عبد السلامياسين الذي عقد لقاء مع وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية في 20 مايو أي بعد رفعالحصار. وفي نفس السنة تم منع أسرة عبد السلام ياسين من أداء فريضة الحج وقد وصل الأمر إلي إنزال بعضهم من الطائرة بدعوى أنهم ممنوعون من مغادرة التراب الوطني، إلا أن السلطة اضطرت إلي التراجع عن قرارها بعد سلسلة من الاعتصامات بوزارة الداخلية.
وفي 10 ديسمبر 2000 أعلنت جماعة العدل والإحسان تنظيم وقفات احتجاجيةبمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان في عدة مدن، وقد أدى ذلك عن وقوع إصابات كثيرة كما توجت باعتقالات واسعة في صفوف أعضاء الجماعة ثم تقديمهم للمحاكمة ومن ضمنهم أسرة عبد السلام ياسين وبعض أعضاء مجلس الإرشاد للجماعة.
وتميزت سنة 2001 بحصار أمني شديد لأنشطة الجماعة وتضييق الخناق عليها، لاسيما في القطاع الطلابي، حيث تم اعتقال العشرات ومحاكمتهم بسبب نشاطهم النقابي. وقد اتسع مدى هذه المضايقات والاعتقالات بعد 16 مايو 2003. ولعل أهم حدث عرفته سنة 2003 فيما يخص جماعة العدل والإحسان، أنه في ملف متابعة بعض قيادييها بالانتماء إلى جمعية غير مرخص لها، أكدت أكثر من محكمة استئناف بالمغرب، بما لا يدع أي مجال للشك على مشروعية الجماعة وقانونيتها، إلا أن هذا لم يعفها من إصرار السلطة على الاستمرار في مضايقتها.[4]
ورغم ذلك عرفت الجماعة توسعا وانتشارا متزايدا وتضاعف عدد أعضائها والمتعاطفين معها، وفرضت حضورها البارز في جميع ميادين العمل المدني، وكذا في التعبير عن رأيها في القضايا الكبرى التي تهم البلاد، والأمة الإسلامية بصفة عامة. ومن أجل خرق جدار الحصار الإعلامي المضروب على الجماعة، ومواجهة حملات التشهير والإشاعات التي تتعرض لها، نظمت الجماعة خلال الربع الثاني من سنة 2006 أياما تعريفية تحت شعار "الأبواب المفتوحة" في جل مدن وقرى البلاد، منظمة عدة أنشطة علنية تعريفية، وحوارية.
وقد عرفت هذه الأيام نجاحا ملحوظا وإقبالا لمختلف شرائح المجتمع وتواصلا مع العديد من الهيئات. لكنها قوبل بالهجوم والترصد والمتابعة لأعضاءها والحيلولة بينهم وبين التواصل مع شرائح الأمة التي كانت متلهفة لمعرفة ما يتضمنه خطاب الجماعة وما تدعو إليه من مقترحات لتغيير ما بالأمة. كانت قوة الأمة وإرادتها للتواصل مع ما تعرضه الجماعة من تعريف بنفسها ومقترحات حقيقية تدعو لتغيير النفوس والسمو بها من حياة الغفلة حتى يتسنى لها بناء حاضرها ومستقبلها استعدادا للموعود الأكبر طاهرة في كل تلك التواصلات المفتوحة. لكنها قوبلت بتهجم عنيف من السلطات المخزنية التي كبحت أنفاسها وأرادتها مهمشة وغريبة في مجتمعها. وقد سبق للهيأة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان أن رصدت في تقاريرها الصادرة مظاهر ومخلفات هذه الحملة التي أدت إلى اعتقال الآلاف من الأعضاء من بينهم النساء والأطفال. كما أدت إلى متابعة مئات الأشخاص أمام المحاكم، وإغلاق البيوت وتشميعها أو هدمها. واستهدفت عمل الضحايا وموارد رزقهم. كما أدت إلى توقيف عدة أئمة ومرشدين دينيين وواعظات، وأدت إلى الاعتداء على الممتلكات. كما حاولت السلطة التضييق على المواقع الإلكترونية للجماعة. وعرفت الحملة أوجها بتعرض بعض أعضاء الجماعة للمساومة والتهديد ومحاولة تشويه السمعة والاختطاف والتعذيب.[5]




هيوستون 2009

ليست هناك تعليقات: