بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 5 ديسمبر 2013

دسترة الامازيغية و “عقدة takna”


TAKNA
يعد حدث  دسترة  الامازيغية ؛ كلغة رسمية  للدولة جنبا إلى جنب  اللغة العربية ؛ منعطفا تاريخيا  ، جاء  ،  ضمن سياقات أخرى ،  ليحل  عقدة سياسية عمرت  لعقود ، كان ينظر فيها على العموم إلى  الامازيغية  لغة وهويــة بمنطق الإنكــــار و الإقصاء  .. فالتعديل الدستوري اعتبر الأمازيغية أيضاً لغةً رسمية للدولة ، كما جاء في الفصل الخامس من دستور 2011 واعتبرها  رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء.  بذالك ينتقل المغرب ؛ على مستوى الوثيقة الدستورية؛ من حالة الأحادية اللغوية  إلى حالة الثنائية  اللغوية الرسمية (Bilinguisme officiel) على شاكلة كندا وبلجيكا. و بذالك يدخل المغرب مرحلة جديدة ، تتسم  بالتعدد اللغوي  ويمهد الطريق  لوضعية لغوية جديدة ؛ سيتناوب فيها المغاربة  على نظامين لغويين مختلفين.
يعود مصدر كلمة التعددية إلى الكلمة اللاتينية “بلور ليس” ومعناها كثير. من هنا، فإن معنى التعددية Pluralisme تعني القبول بهذه الكثرة ،على اعتبار  أنها  أحد مكونات الحداثة التي تطبع الحياة المعاصرة . و التعددية في ثقافتنا المغربية  لها إشكال عميق جدا، يضرب جذوره في تاريخنا المعاصر. حقيقة الأمر أن قبول التعددية في الثقافات الأخرى لم تتجذر منذ وقت طويل، بل لازالت شبه الأحادية تطفو في بعض الممارسات المختلفة في المجتمعات الحديثة، وقد يبدو في الظاهر أن المجتمعات الغربية اليوم قد تخلصت  نهائيا من الأحادية، ولكن الممارسات الواقعية تؤكد لنا بشواهد كثيرة  أن الأحادية لازالت تعيش في نفوس الناس، وتجري في الممارسة، وإن اختفت من الدساتير و من كتب القوانين.
 إن  دسترة   الامازيغية ؛ على مستوى  نص الوثيقة الدستورية ؛  قد حسم النقاش السياسي العمومي بشكل قطعي و نهائي ،  بشان  مطلب  ترسيم الامازيغية ،  بين مختلف  التصورات السياسية  في   المغرب  .إلا انه في المقابل ،  يلاحظ أن التصورات الاجتماعية  لا  تزال  محملة بمجموعة من الرواسب والأحكام المسبقة  ،بشان دسترة الامازيغية  ، و التي تكونت بفعل عوامل سياسية-اجتماعية. و هذه العوامل تشكل تمثلات اجتماعية تتحول إلى ميكانيزمات للتعبير عن الذات، ومن تم إلى  عوائق  تتمثل في الخوف من التعدد اللغوي أو صعوبة قبوله  وأحيانا  رفضه . وإذا كان من الصعوبة بمكان الجزم بالسلبية المطلقة لهذا العوائق ، فإنه يجب أخذها بالحسبان والانتباه إلى أشكال حضورها وتجلياتها في بعض المقالات المتعلقة بموضوع الامازيغية   و بالتعليقات عليها في الجرائد الكترونية  ،  والتي  تعكس كيفية  تلقي بعض الأفراد ؛ بتنوع ثقافتهم العامة والدينية  معطى دسترة الامازيغية ؛ وأحاسيسهم و ادراكاتهم  وأفكارهم   حول نظام  التعدد اللغوي الذي  تمثل لهم نظام  تعدد الزوجات  ، بحيث تحتل فيه اللغة العربية  موقع الزوجة 1 ، و اللغة الامازيغية موقع الزوجة 2 بمنطق الدسترة  ، ومن طبيعة الحال الزوج هي الدولة المغربية . و على اعتبار أن تعدد الزوجات قضية اجتماعية  مثيرة للجدل  في مجتمعنا  ، خصوصا بالمدن  ،  ولها العديد من الجوانب السلبية في نظر البعض بسبب عدم تقبل النظرة المجتمعية للزوجة الثانية أو من تعرف بـالضرة   أو تاكنا باللغة الامازيغية  ، فهناك من ينظر لها بأنها إنسانة ظالمة ؛لأنها اقتحمت حياة امرأة أخرى لتشاركها زوجها . فيتملك الزوجة1 الإحساس بالغيرة  والضيق و الانفعال المفرط  من وجود امرأة  أخرى في حياتها الزوجية  ، وقد تزداد الفجوة بين الزوجة1 وضرتها فتنعكس العلاقة بينهما على الأبناء الذي ينظرون إلى الضرة على أنها “دخيل”   جاء ليخرب الأسرة . و  يزداد الوضع سوءا  إذا كان الزوج مستهترا  و غير عادل  ،  فتتشكل شيئا  فشيئا “عقدة تاكنا ” أي عقدة الغيرة  المرضية التي تؤسس  لصراع دائم قائم بين الزوجة1 و ضرتها .  و الصورة  لاشك   تختلف  تماما في حال سيطرة الطرفين على الموقف ، في محاولتهما لإبداء التعايش السلمي  وإظهار أفضل ما لديهما  . فهكذا تبقى تصورات  بعض الأفراد  حول دسترة الامازيغية  مقيدة  بإحكام  ب “عقدة تاكنا “  و  بشتى مظاهرها الرافضة للتعدد و التي تتجلى بشكل  عام في أنماط من التفكير  و السلوك  واسعة الانتشار وتتمتع بحس طاغ من الأحادية،  يتم التعبير عنها بطرق متعددة منها قولبة الأفكار وتنميطها  حول الامازيغية ، و بالحديث  عن  نمطية  التفكير فمثلا الزوجة1و ضرتها قد تكونان طيبتان  وعلى خلق  وهادئتان  ، ولكن من  كثرة  ما ترسخ في أذهانهما عن الصورة النمطية  السلبية  لتعدد الزوجات تسوء  المعاملة بينهما  فيسودها الحقد و الغيرة . فقولبة التفكير، أي حصره و تحديده في نهج وشكل معين، خاضع لشكل القالب الأيدلوجي الذي تشكلت فيه تلك الأفكار.و فكرة ربط  كل ما يتعلق  بالامازيغية  ؛ بخطر التجزئى  و التقسيم  و..و..،  تمت بإحكام بمرور الوقت، وتتابع الزمن، والتكرار المستمر، والعمل الدءوب في إبراز الصورة النمطية السلبية حول الامازيغية ، التي تخلط  بين و حدة الوطن  و أحادية الفكر و الاتجاه  و تتوهم تناقضا بين  الوحدة  و التعدد اللغوي  ،  فرغم انحسار شعارات  وحدة اللغة  و  التوحد..في وقتنا الراهن  ،  يبدو أن الكثير من الأفراد  يريدون إعادة إنتاجها مرة أخرى ، في إشارة واضحة إلى  المأزق المعرفي للعقل المنغلق على أفكاره وتصوّراته ، والعاجز عن  الخروج من دائرة إحساساته وإدراكا ته الخاصّة، إلى الحد الذي يصبح معه الفرد غير حساس بحقوق الآخرين. وإحالة “الآخر”  الامازيغي إلى مكوّن هامشي،  لا ينطوي على قيمة بذاته، بل نفيه خارج “إطار الشعب ” إذا لم يندرج  طوعا أو كرها في سياق المنظور المعد له سلفا  و الذي يتصل بتصورات الفكر القومجي  و افقه العام  فيما يخص الإنسان المغربي. كما أن التحيز اللغوي شكل من أشكال  الدفاع  عن الأحادية اللغوية    ، ويظهر التحيّز حينما لا يقتصر المرء على الإعجاب بما يتحيّز له فحسب، وإنما لا يرى سوى القبح في غيره،وبالرغم أنه لا تفاضل في الأصل بين اللغات، ولا تمايز بينها في حد ذاتها؛ أي لا توجد لغات بنسب” شريف” و أخرى بنسب “وضيع ” إلا أن بعض  الأفراد يميلون  كل الميل إلى تفضيل اللغة  العربية على اللغات الأخرى ، أو ينظرون إليها  بعين الإجلال والتعظيم ،  وأنها الأكثر تفوقاً في مجالات مختلفة ، وان اللغة الامازيغية  لا تعني شيئاً إزاءها…  بالإضافة إلى ذالك يعتبر  البعض أن العربية يفترض أن تكون  لغة وحيدة للمغاربة بمبرر ديني (لغة القران) و أحيانا بمبرر ثقافي  ( الحضارة الإسلامية و نشر الرسالة وقيادة الآخرين ..(  و عليه  يؤمن في قرار نفسه أو يوحي للآخرين بأن العربية مهددة  بالمغرب  إذا لم  تمتع  بمركز القمة في الهرم التسلسلي  .
هؤلاء الأفراد  لا يريدون أن  يفهموا  الأشياء من غير منظارهم  الخاص ، وأصبحت ذواتهم  هي  المرجعية الأساسية لتحديد أهمية كل شيء وقيمته ؛ عبر السعي  لفرض نمطية واحدة في التفكير و السلوك ؛ يتم فيها  قبول التعدد اللغوي بصعوبة  على أساس  معيار تفضيل العربية على الامازيغية  ؛ يعتبر  خطا في الحكم ؛ناتج عن التصورات  الاجتماعية  التي لا تتغير حسب الطرح  الدوركايمي  إلا بتغير الشروط  التي أنتجتها   ، حيث تتم  عملية إعادة  إنتاجها  بطريقة  آلية تكرارية  موافقة لصيرورة التطور  المجتمعي ، و ليس للأفراد  دخل في عملية تشكيلها أو بنائها  لأنها متعالية عنهم  ،  وذالك بتدبير  التعدد اللغوي على أساس  معيار المساواة  الذي يحقق التكافؤ بين الامازيغية و العربية  ، و استحضار آليات  تهتم بتدبير التعايش بينهما عبر سن تشريع خاص بالتعدد اللغوي ، و الإسراع  بسن القانون التنظيمي المفعل لرسمية الامازيغية ، حينها فقط ستكون الامازيغية أمام  مقدمتان أساسيتان للانتقال من الاغتراب اللغوي  إلى الأمن اللغوي .
تمزغا بريس

ليست هناك تعليقات: