بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 18 نوفمبر 2013

التحقيق الدولي في جريمة اغتيال عرفات لا يحتاج للبرقيات

التحقيق الدولي في جريمة اغتيال عرفات لا يحتاج للبرقيات

اتهمت السلطة الفلسطينية يوم الجمعة الماضي إسرائيل باغتيال الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بعد تسلمها نتائج تحاليل أجريت على عينات من رفات عرفات من قبل خبراء فرنسيون وسويسريون وروس لمعرفة سبب وفاته الغامض يوم 11 نونبر 2004. كما طالبت الدولة الفرنسية رسميا بتسليم تقريرها في هذا الشأن مادام أن عرفات توفي في مستشفى بيرسي دو كلامار العسكري قرب باريس حيث كان يتلقى العلاج.
رئيس لجنة التحقيق الفلسطينية في وفاة ياسر عرفات، توفيق الطيراوي، قال في المؤتمر الصحافي، الذي عقده في رام الله بالضفة الغربية، إن "إسرائيل هي المتهم الأول والأساسي والوحيد في قضية اغتيال ياسر عرفات"
وفي معرض رده على أسئلة الصحفيين، كما تناقلت ذلك وكالات الأنباء الدولية، أكد الطيراوي على أن "كل القيادات العسكرية والأمنية والسياسية في إسرائيل، هي المسؤولة، بمن فيهم من كان على رأس القيادة في إسرائيل". كما قال "نستطيع التأكيد أن اللجنة لديها معطيات وبينات وقرائن وهذه النتائج قربتنا من إثبات صحة نظريتنا حول اغتيال ياسر عرفات... لقد اقتربنا كثيرا من الحقيقة وضاق كثير من الحلقات وسنعلن الحقيقة كاملة في أول لقاء قادم مع وسائل الإعلام...ولايمكن أن نترك من قام بهذه الجريمة وسيقدم للقضاء المحلي والدولي، ولكن عندما ننتهي من التحقيق والوصول إلى الحقيقة كاملة".
من خلال تصريحات توفيق الطيراوي، يستشف بما لا يدع أي مجال للشك، بأن القيادة الوطنية الفلسطينية واعية تمام الوعي بأن وفاة الرئيس ياسر عرفات لم تكن وفاة طبيعية " إغتيال بالسم" وبأن المتهم الأكثر شبهة فيه باغتيال الرئيس الفلسطيني هو إسرائيل، وبأن نتائج التحقيق الوطني الذي باشرته السلطة توصلت إلى حقائق تدين أطراف داخلية وخارجية متورطة في جريمة الإغتيال وأن التعامل معها سيكون بواسطة القضاء المحلي والدولي، وهو ما يعني أن القيادة الفلسطينية لها رغبة في المرحلة الراهنة لتدويل التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، على غرار التعاطي اللبناني مع جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري..
ما قاله رئيس لجنة التحقيق الفلسطينية، توفيق الطيراوي، لا يخرج عن نطاق ما تم تداوله من معطيات وتحليلات في وقت سابق، ذهبت جمعيها إلى تعرض عرفات للتسميم، وإلى وقوف إسرائيل وراء هذا الفعل الشنيع، بمباركة وتواطؤ أطراف إقليمية ودولية ومحلية، لم تكن تنظر إلى مواقف الرئيس الشهيد وصموده ونضاله المستميت في مواجهة سياسات التهويد والاستيطان وجرائم القتل والإبادة التي مارستها إسرائيل ضد الفلسطينيين لسنوات..
عرفات توفي مسموما وهذه حقيقة معروفة منذ يوم وفاته وإسرائيل هي المتهم الأول في تسميمه. لكن، من هي الجهة التي قامت بإدخال السم إلى عرفات الذي كان محاصرا في المقاطعة تحت حراسة مشدده من قبل الإسرائيليين والفلسطينيين؟ هل استعانت إسرائيل بمقربين من الرئيس عرفات لدس السم إلى جسده ؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي على رئيس لجنة التحقيق الفلسطينية إعطاء أجوبة دقيقة بشأنها للشعب الفلسطينى الذي يرغب في معرفة هوية القاتل الذي أدخل السم لعرفات.
هذا ما ينبغي على لجنة التحقيق الفلسطينية التركيز عليه، لكشف الحقيقة الغائبة في جريمة اغتيال عرفات، أما القول بأن ملف استشهاد الرئيس سيبقى مفتوحا، وسيحظى بأعلى درجات الأولوية، فهذا اجترار للوقت لا ينفع السلطة الوطنية الفلسطينية في شيء، لأن الشعب الفلسطيني الجريح، بات متعطش أكثر من أي وقت آخر لمعرفة من هم شركاء الجناة الذين نفذوا الاغتيال؟.
الفلسطينيون يعتبرون بأن الأولوية يجب أن تعطى إلى العملية السياسية التي تتآكل يوميا. ويتساءلون لماذا لا تهتم السلطة بإعادة تقييم مسيرة المفاوضات التي تجاوزت العقدين ولم تحقق شيئا حتى اليوم،إلا، إذا كان الإفراج عن 52 أسيرا هو المكسب الوحيد الذي تحقق وكفى الله المؤمنين شر القتال؟!
تركيز الجهود بالنسبة لهؤلاء، يجب أن ينصب على مراجعة المسيرة السياسية ودور اللاعبين فيها، سواء كانت اللجنة الرباعية، أو أميركا، أو السلطة، لتقييم حصيلة كل فريق من هؤلاء.
ماذا قدموا؟ وأين فشلوا؟ وأين قصروا؟ وأين تآمروا؟.
بالعودة إلى آخر تطورات قضية اغتيال الرئيس الرمز ياسر عرفات، وبالتزامن مع ما أعلنه الطيراوي في ندوته الصحفية من معطيات بخصوص التحقيق الذي يشرف عليه في إطار لجنة التحقيق الفلسطينية، قام السياسي النافد في حزب الأصالة والمعاصرة، إلياس العماري، الذي يرأس ما يسمى "بمؤسسة دعم فلسطين الدولية" بتوجيه رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، بواسطة نائبه الفلسطيني، أشرف جمعة، تطالب بان كيمون بالتعامل بشكل جدي وعاجل لإدراج قضية استشهاد الرئيس الفلسطيني المنتخب "ياسر عرفات" علي جدول أعمال الجمعية العامة ومنظماتها المتخصصة، وذلك في إطار ما روج له الحملة الدولية لنقل ملف اغتيال "ياسر عرفات" للأمم المتحدة والمحافل الدولي ؟!
مبادرة مؤسسة دعم فلسطين الدولية، التي يرأسها إلياس العماري، لا يمكن لأي فاعل حقوقي، من الناحيتين المبدئية والأخلاقية، أن يرفضها أو يقلل من قيمتها الرمزية، مادام أن هدفها نبيل ولا يخرج عن نطاق مطلب مشروع في كشف ظروف وملابسات اغتيال الرئيس ياسر عرفات، وفضح الجهة التي وقفت وراء الإغتيال وشركائها المفترضين، الذين يمكن أن يكونوا قد نفذوا الجريمة النكراء ضد عرفات، أو سهلوا مأمورية تنفيذها بالتواطؤ مع الفاعل الأصلي الذي له مصلحة في محو عرفات من الوجود..
لكن، أن تسارع مؤسسة داعمة لفلسطين " لا ندري من هي أطرافها؟ ومتى نشأت؟ وماهي أهدافها؟ ولا علاقتها بالفلسطينيين؟" إلى مراسلة الأمين العام للأمم المتحدة، بان كيمون، وحثه على ضرورة التعامل بشكل جدي، لإدراج قضية اغتيال عرفات على جدول أعمال الجمعية العامة وباقي المنظمات الدولية المختصة، بما يعنيه هذا الطلب من تدويل للقضية، قبل أن يصدر هذا الفعل عن السلطة الوطنية الفلسطينية، أو لجنة تحقيقها الوطنية، التي ألمح رئيسها توفيق الطيراوي في ندوة يوم الجمعة 15 نونبر، إلى إمكانية اللجوء إلى تدويل جريمة الإغتيال بعد الإنتهاء من التحقيق، فالأمر يلزمنا كمراقبين بأن نطرح هذه الأسئلة الضرورية لفهم سياق المبادرة وخلفياتها؟.
هل تملك مؤسسة دعم فلسطين الدولية الصفة القانونية والمشروعية السياسية لمراسلة الأمين العام للأمم المتحدة بخصوص جريمة اغتيال الشهيد الرمز ياسر عرفات؟ لماذا سارعت مؤسسة دعم فلسطين إلى مراسلة الأمين العام للأمم المتحدة "بانكيمون" قبل السلطة الوطنية الفلسطينية صاحبة الحق، وفي نفس اليوم، الذي عقد فيه رئيس لجنة التحقيق الفلسطينية، توفيق الطيراوي، ندوته الصحفية؟ ألم يكن مطلوبا من هذه المؤسسة التريث قليلا إلى حين إعلان نتائج تحقيق لجنة الطيراوي؟ هل تم التنسيق مع الجانب الفلسطيني في هذه المبادرة، التي تمت بواسطة نائب الرئيس، أشرف جمعة، الذي يتمتع بالعضوية في المجلس التشريعي عن حركة فتح؟
اغتيال ياسر عرفات جريمة دولية لا تقل بشاعة عن جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، التي دفعت الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى الدعوة إلى التحقيق الدولي، وجعلت واشنطن تتحدث عن ضرورة العمل مع مجلس الأمن لمعاقبة المجرمين فور حدوث العملية، وهو ما لا تستسيغه قواعد ومنطق التحقيق في أي جريمة..بل هي جريمة أبشع لأنها استهدفت رئيس دولة مسن ومنتخب في عقر داره وبواسطة مواد سامة ومحظورة دوليا..
لقد كان من الأجدر أن تتم الدعوة إلى التحقيق الدولي مباشرة بعد ارتكاب الجريمة في سنة 2004، وليس بعد مضي تسعة سنوات على ارتكابها، لأن كل المؤشرات، كانت تدل على أن الرئيس ياسر يواجه الموت، وحتى عندما قرر الكيان الإسرائيلي الغاصب، تطويق مقر إقامة الرئيس الشهيد برام الله، واستهدافها بالقنابل، وتحطيم أسوارها، ومنع وصول المأكل والشراب إلى عرفات، في ظل صمت دولي وفرجة عربية غير مسبوقين، الكل ركز على عناد الرئيس وتصلب مواقفه تجاه قضايا وطنه العادلة والمشروعة، ولم يركزوا على نوايا المجرم الإسرائيلي، الذي قرر اغتيال رئيس دولة منتخب وتصفيته بطريقة جبانة أمام أنظار العالم..
لنقر بأن إسرائيل هي من قامت بالجريمة ، وهذا هو الراجح، وبتواطؤ مع حلفائها الإستراتيجيين والتاريخيين في المنطقة وخارجها ومن داخل البيت الفلسطيني على ما أعتقد. فهل يعتقد رئيس مؤسسة دعم فلسطين الدولية، إلياس العماري، بأن الأمين العام للأمم المتحدة، بان كيمون، قادر على مواجهة إسرائيل وحلفائها التي أومأت إليهم رسالته الموجهة إلى هذا الأخير، بخصوص اغتيال عرفات؟
لو كانت الجماعة الدولية، والأمين العام للأمم المتحدة، معنيين بجريمة اغتيال الشهيد ياسر عرفات، لما احتاجوا إلى كل هذا الوقت، ولما انتظر بان كيمون رسالة مؤسسة دعم فلسطين الدولية، ولما احتاج لتقارير القنوات الفضائية التي كشفت في تقاريرها الإعلامية عن طبيعة السم الذي نفدت بواسطته جريمة الإغتيال القدرة في حق الشهيد البطل ياسر عرفات رحمه الله..
المنتظم الدولي يعرف جيدا، أن موت عرفات لم يكن طبيعيا، وحتى رؤساء الدول العربية، ولاسيما ، تلك المجاورة لفلسطين، والتي يزورها الياس العمري، بين الفينة والأخرى لاعتباراته الخاصة به كفاعل سياسي دولتي، ألف الإنتقال بين عواصم الدول العربية والأوروبية وكأنه ابن بطوطة زمانه، تدرك من هو المجرم، والفلسطينيون أنفسهم يعلمون أن رئيسهم تعرض للإغتيال وأصابع اتهامهم أشارت إلى الكيان الإسرائيلي العدو والغاشم..
الجانب الخفي والمهم، من وجهة نظري المتواضعة جدا، والذي ينبغي على الجانب الفلسطيني تعميق التحقيق فيه داخليا، هو كيف وصل السم لذات عرفات؟ ومن هي الجهة التي تكلفت بتنفيذ الجريمة القدرة؟ ومن هم الشركاء في الجريمة؟ وما ثمن الجريمة؟
عندما اغتيل الحريري، نشط المجتمع الدولي، وشرعت الآلة الدبلوماسية للقوى الإقليمية والأوروبية والغربية في التحرك، وشهدت المنطقة تحركات دبلوماسية مكوكية لسفراء كثر وقضاة دوليين، بين أروقة الأمم المتحدة وبيروث ودمشق والرياض وعمان والقاهرة، وتفاعل مجلس الأمن بسرعة البرق من الجريمة، فأصدر قرارات أممية، ودعا إلى التعجيل بتنفيذ أخرى. ماذا كانت النتيجة؟
اتهمت سوريا مند البداية وأخرجت قوات بشار الأسد من لبنان، وتم تدويل جريمة الإغتيال بشكل سريع، وجيء بالمحقق الدولي ميليس إلى البلاد قبل أن ينفضح أمره، وشنت إسرائيل حربا مدمرة على حزب الله في سنة 2006 دامت ثلاثة وثلاثون يوما، قتل فيها من قتل، وشرد فيها من شرد، ورمل من رمل، وهدمت فيها البنيات التحتية وأسقطت البيوت الآهلة بالسكون على رؤوس قاطنيها، وتم شحن البلاد بخطابات طائفية مقيتة، ووسعت الهوة بين قوى 14 آدار، التي يتزعمها سعد الحريري والجميل وسمير جعجع، وقوى 8 آدار التي جمعت بين حزب الله، وحركة أمل، و التيار الوطني الحر، وحركة التوحيد اللبناني الدرزي، والحزب السوري القومي، وغيرها من الأحزاب والتيارات الوطنية الأخرى..
المجتمع الدولي، مجتمع انتهازي ومريض بسياسة الكيل بمكيالين في تعاطيه مع الجرائم والأزمات الدولية. وعندما أراد تدويل قضية اغتيال الحريري لم يحتاج إلى رسائل منظمات حقوقية أو مؤسسات دولية للدعم على غرار مؤسسة دعم فلسطين، بل كان كل شيء جاهزا وكانت التعبئة شاملة، وكان العرب جاهزون لفعل أي شيء للأسف الشديد..
رحم الله ياسر عرفات وجعله من أهل الجنة....والخزي والعار للمجرمين الذين خططوا للجريمة ولشركائهم الذين ساعدوا على التنفيذ أو نفذوا وللانتهازيين الذين فرحوا بموت الرجل واستغلوه أبشع استغلال..

ليست هناك تعليقات: