اختتم مركز الجزيرة للدراسات أمس, أعمال مؤتمر«(المغرب العربي) والتحولات الإقليمية الراهنة»، بمناقشة عدد من الخلاصات والتوصيات التي تصب في صالح معالجة القضايا التي تمر بها المنطقة المغاربية في ضوء ما تعيشه المنطقة العربية من تغيرات وتحديات.
وفي كلمته قال الدكتور عبدالجليل التميمي في ورقته عن «التكامل والتقاطع الفكري بين الهويتين الأمازيغية والعربية في الفضاء المغاربي» إن ملف (الهوية العربية) بالفضاء المغاربي قد تمت معالجته خلال النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم، ونشرت مئات الدراسات حوله، كما نوقشت عشرات الرسائل الجامعية بالجامعات المغاربية والمشرقية والأوروبية والأميركية، وتم موقعة هاته الجدلية البحثية الهامة بتناول ماهيتها ومدى تدخلها وتوافقها أو تقاطعها مع بقية الهويات الأخرى في فضائنا.
وأشار إلى أننا نذهب إلى الاعتقاد أن الملف الأمازيغي يتطلب أن نوليه كبير عنايتنا واهتمامنا البحثي، بعيدا عن المواقف المشاطرة لهذا الطرف أو ذاك، خصوصا تلك التصريحات ذات الطابع الهجومي على سكونية وسلبية مواقف القادة السياسيين والنخب الجامعية المغاربية تجاه الملف الأمازيغي، والتي تأرجحت صعودا وهبوطا، خصوصا بعد ثورتي تونس وليبيا، والذي كان وراء حراك أمازيغي هجومي ومؤدلج من العديد من الفاعلين الليبيين والتونسيين خلال السنتين الماضيتين، ونذكر هنا بالسيد فتحي بن خليف الذي ينادي بالقطع مع العروبة أصلا، وكذا السيد سليمان أقجم وهو أستاذ اقتصاد بجامعة طرابلس، وهو من المتعصبين الغلاة, ويعد منظر انفصال البربر عن العرب.
ونبه إلى أن البحوث ستركز حول خصوصيات الهوية الأمازيغية والمسارات الدقيقة والصعبة التي عاشتها وواجهتها مع الأنظمة السياسية القائمة منذ الاستقلال السياسي لفضائنا، والتي سعت إلى محاربتها وإجهاض مسيرتها لعدة عوامل، والتوقف حول مدى تواصل هاته الهوية أو تقاطعها مع الهوية العربية، والأبعاد الثقافية التي تحرك كلا من الهويتين, وهما الأكثر بروزا في حياتنا الفكرية اليوم.
وأشار إلى أنه قد حان الوقت اليوم للسعي إلى إثراء هويتنا الوطنية أمام هذا الزلزال الرهيب الذي تعرفه معظم الهويات في العالم، نتيجة تداعيات العولمة الثقافية الرهيبة، حيث أصبح المنطق الاستعلائي الهجومي والممارس ضد مختلف هويات العالم وهويتنا بصفة مباشرة هو القاعدة، وقد أسهم ذلك في التطاول على الثوابت الدينية والعقائدية والفكرية وتحقيرها عبر كل الوسائل السمعية البصرية والأقمار الصناعية، والتي احتوت على الكثير من التضليل والتزييف، ونشر الرعب والخوف والحذر من الفئات والجماعات التي تقف صامدة للدفاع عن هويتها الثقافية وتراثها وذاكرتها الإثنية، أمازيغية كانت أو مغاربية عربية-إسلامية، وهذه رسالة جديدة وجب أن تؤديها النخب المدركة بدورها في تعميق الوعي بذاتنا وبالتالي بهويتنا.
ودعا الدكتور القيادات السياسية الجديدة في تونس وليبيا إلى إنشاء لجنة خبراء متركبة من علماء اجتماعيين ومؤرخين وإنثروبولوجيين عرفوا بالنزاهة والعلم لدراسة ملف الأمازيغ، وتقديم اقتراحات عملية لتعميق الوفاق الوطني الأمازيغي التونسي الليبي وبناء الثقة بيننا جميعا, والاعتراف بالحقوق اللغوية والأدبية لكل الأمازيغيين, والتكفير عن الأخطاء الجسيمة التي ارتكبت في حقهم منذ الاستقلال السياسي لبلداننا، كما ناشد القيادات الأمازيغية بليبيا خاصة، عدم الانزلاق وراء التوظيف الإيديولوجي النشط والذي لو تواصل سيلحق الضرر بقسم مهم من شعبنا, وبقطع الطريق عليهم للمساهمة في بناء الديمقراطية وإقرار التوافق الفكري الذي ينشده المخلصون من شعبنا.
من جانبها قالت الدكتورة خديجة محسن فينان المتخصصة في العلوم السياسية بجامعة باريس الأولى في ورقتها بعنوان: «الجغرافيا السياسية في المنطقة المغاربية بمقياس (الربيع العربي)»: إن انبثاق الثورات (العربية) عام 2011، لم تكن نتيجة تغييرات من داخل الأنظمة الحاكمة، فتلك الأنظمة زالت بتأثير موجة قوية نابعة من داخل المجتمع، كان لكل بلد من البلدان المغاربية وجهة هو موليها، فلكل إيقاعه الخاص به, والذي حددته عوامل التاريخ، والبنية الاقتصادية، والنظام السياسي، والإكراهات الخارجية الخاصة بكل دولة مغاربية على حدة.
واعتبرت أنه رغم هذه الاختلافات بين الأقطار المغاربية، فقد عرفت عملية إعادة التشكيل هنا وهناك تفاعلا؛ وتعتبر الحالة التونسية حالة صالحة لدراسة الانتقال من الاستبداد نحو التحول الديمقراطي، وتم ذلك من خلال القطيعة المؤسسية ومن خلال التوافق بين التشكيلات السياسية المختلفة.
وقالت إننا نلاحظ سعي الدول المغاربية نحو التماثل فيما بينها في البداية إلا أن توجهات كل بلد تركزت في النهاية على دينامياته الداخلية. وقد بات الحكام يحاولون، مهما كانت التحديات، الإجابة عن مطالب المواطنين التي عبرت عنها مثلا: «المنسقية الوطنية للتغيير والديمقراطية» (CNCD) في الجزائر، أو عبرت عنها حركة 20 فبراير في المغرب. ويبدو أن القضايا الجيوسياسية الإقليمية أصبحت ثانوية بالنسبة لتعبئة الجماهير وتصميمها على تغيير النظام السياسي.
محمد الشياظمي – العرب القطرية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق