قالوا قديماً: "عندما نبني مدرسة، فإننا بذلك نغلق سجناً"، وذلك لأن المدرسة في رأيهم تنير الفكر، وتغذي العقل، وتقوم السلوك، وذهب بعضهم إلى قياس تحضر الدول والشعوب بعدد مدارسها وجامعاتها.
ومع إيماني الخالص بقيمة العلم، وفريضة التعلم، إلا أنني أقف موقفاً معادياً تجاه مسألة التعليم في واقعنا العربي عامة، والمصري خاصة.
أقف مستاء تجاه منظومة تبلع أهم سنوات أبنائنا نباهة ونضجاً، تأخذ منهم إبداع الفطرة لتغرس فيهم أي شيء إلا ما يحتاجونه يقيناً في مشوار حياتهم.
ولا أظنني مبالغاً حين أقول بأن البشر يحصلون على غالب معارفهم، وثقافتهم، خارج جدران المؤسسة التعليمية، وأن عدد غير هين شكلت المنظومة التعليمية لهم عائقاً، ورسخت بداخلهم ثقل المعرفة، ورتابة التحصيل، وكراهية المطالعة.
يحكي أحد معارفي أنه زار الولايات المتحدة الأمريكية لأول مرة في سبعينات القرن الماضي كدارس للماجيستير، وكان أن التقى بأستاذه الذي قال له في جلستهما الأولى: أعرف جيداً الثقافة التي جئت منها، وأعي جيداً مطالبك ورغباتك، ولذا أرى أنه من الأمانة أن أناقش معك ثلاث نقاط هامة، أما الأولى فإننا لسنا معنيين بتعليمك!، وعندما قطب الوافد الجديد حاجبه مستنكراً ابتسم الأستاذ موضحاً: "التعليم قضيتك أنت، نحن هنا نؤهل لك البيئة المناسبة، نضع بين يديك المنهج العلمي، نجيبك على أسئلتك، أما البحث، والتعلم، والتدقيق، والمراجعة، فتلك مهمتك الخاصة"، هذا عن الشيء الأول، أما الثاني فإن الاختبار ستأخذه معك إلى منزلك، لا شأن لنا بالغش والاحتيال، صدقني الغش لن يدفع ثمنه سواك، لن نخسر شيئاً إذا ما كتبت من عقلك أو من نقلك.
أما الشيء الثالث والأخير، فهو أنك ناجح بعد انتهاء سنوات دراستك، لا راسبين هاهنا!، التقدير فقط هو الذي سيتغير، أما فكرة النجاح والرسوب، فأمر لا تشغل بالك به كثيراً!.
يقول الرجل: كان هذا الحوار عاملاً هاماً ومؤثراً في حياتي، ففوق أنه أزاح عن كاهلي ثِقل الدرجة والدرجتين، والمذاكرة والامتحان، والحفظ والمراجعة، فإنه أيضاً فتح الباب أمامي لفهم المهمة التي أذهبتني لما وراء المحيط، مهمة أنني لست قادم لنيل شهادة أعلقها على جدار مكتبي وأتباهى بها بين الناس، وإنما مهمتي الأولى والوحيدة هي العلم .. أو بمعنى أدق "متعة تحصيل العلم".
ثم ختم حديثه معي قائلا: ورغم كراهيتي للكتب والمطالعة، إلا أنني، ومنذ ذلك اليوم لم أترك الكتاب أبداً.
وبالعودة إلى مدارسنا، وبنظرة متفحصة متجردة يمكننا الاعتراف بأننا لسنا على صواب!
وكيف يمكن أن يكون ما نفعله صائباً وسبعة عشر عاماً ـ على الأقل ـ يقضيها المرء منا في تعلم أشياء ينسى أكثرها بعد تخرجه ؟
نمضي ما يقارب التسع سنوات نتعلم فيها ـ مثلاً ـ اللغة الإنجليزية، ونادراً ما يتقن أحد اللغة من خلال مسار الدراسة، بينما يكفي عام واحد من الدراسة في أي مركز متخصص لتعليم اللغة كي يقف الطالب على درجات الاحتراف نطقاً وكتابة.
ننفق أعمارنا، وجزء غير هين من مالنا لنحشو الذهن بمعلومات عن تاريخ وجغرافيا وعلوم غير قليل منها يتسرب وينتهي دون فائدة تذكر.
ولأنني لم استطع الحصول على أية أرقام أو إحصائيات لعدد من يعملون في غير تخصصهم الجامعي، فإنني سأترك لك مهمة إحصاء من تعرفهم ممن ضيعوا أعمارهم في دراسة لم تقدم لهم يد العون.
يمكنك أيضاً أن تترك لخيالك العنان لتتذكر هؤلاء الذين سكنت أسمائهم في سجل المتفوقين، ثم تعيد الذهن لتقف على أحوالهم اليوم كي تدرك جيداً أن الـ "99%" التي حصلوا عليها، لم تكن معبراً عن حاجتهم الحقيقية، ولم تساعد أكثرهم في تلمس طريقه الصحيح.
لماذا أنشئت المدارس؟!.
هذا سؤال بديهي يجب أن نطرحه للنقاش، والحقيقة أنه ليس سؤال وليد اليوم فهو نفسه السؤال الذي طرحه المفكر الشهير "جان جاك روسو" في القرن السابع عشر، وهو يؤكد أن التعليم الذي يقدم في المدارس النظامية يفسد الأطفال، لما يبثه فيهم من قيم اجتماعية لا تشكل في معظمها نقاء الحياة وصفاء الطبيعة!.
وحوله أيضاً تحدث العالم الأميركي "هاورد جاردنر" في ثمانينات القرن الماضي وهو يطرح نظريته "الذكاءات المتعددة"، مهاجماً ما يُعرف بمعامل الذكاء، ناقماً من تعليم لا يكتشف الملكات الشخصية والمواهب الطبيعية، ولا يفتح أفقاً يستوعب اختلاف القدرات لدى الأشخاص.
إن واجب المنظومة التعليمية في الأساس هو إعداد المرء لخوض معترك الحياة، وتأهيل ذهنه بالمعارف والخبرات المبدئية كي يتكيف مع المجتمع، وتحدد له الخطوط الأولى الهامة في مشوار حياته.
واجبها ـ خصوصاً في المرحلة الجامعية ـ أن تنقل الطالب إلى مرحلة تتخطى الحفظ والتلقين، لتشمل الإسهام والإضافة إلى الموروث الفكري والعلمي والثقافي، من خلال دمج المُتعلم في المنظومة التعليمية، وجعله جزء من ماكينة ينبغي ألا تهدأ أو تستكين إلا بالمزيد من التحصيل .. والعلم .. والفهم.
فهل هذا ما تقوم به مدارسنا وجامعاتنا ؟!
خلاصة القول يا صاحبي بأن هناك ثمة جريمة تجري هاهنا، جريمة تسرق منا أعمارنا، وتسطو على جيوبنا، وتمنعنا من حب العلم، وتبغض إلينا الكتاب.
جريمة تقوم بها دولة لا تؤمن بقيمة العلم، ومجتمع يقيمك بناء على ورقة هو يعلم أنها لا تساوي الكثير، وأهل يريدون أن يفخروا بتفوق دراسي يبرهن أنهم قد أحسنوا التربية!.
جريمة حدد أبعادها أحدهم وهو يدفع بأوراقه إلى ما يسمى بكليات القمة قائلا بسخرية مريرة : " احنا بنتجوز بالشهادة .. وبنشتغل ونترقى بالحب"!.
#كريم_الشاذلي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق