بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 26 مايو 2016

الحزب "الأغلبي": وهم السلطة وحقيقة الديمقراطية

نتيجة بحث الصور عن عبد اللطيف وهبي
مركزتيفاوت الإعلامي 
عبداللطيف وهبي*
(الجزء الخامس)
فوجئت بصديقي الذي لا يهتم بالسياسة أصلا وهو يناقشني فيما نشرته عن "الحزب الأغلبي :وهم السلطة وحقيقة الديمقراطية"، مبادرا بالسؤال: هل تعتقد أن بنكيران كما يقول سيعود إلى سدة رئاسة الحكومة مرة أخرى؟.

ابتسمت في وجهه وقلت قوله تعالى ((أتى أمر الله فلا تستعجلون)) ، (( كل شيء هالك إلا وجهه))، نظرت إليه وهو يحاول أن يفكك الآيتين الكريمتين، وإذا به يبادر بسؤال آخر: هل لك أن تقيم لي مرحلة عبدالإله بنكيران؟

ابتسمت في وجهه مسائلا إياه: من أي زاوية وبأي منهاج؟ فإذا كان من رؤية حزبي، فأنا أقيم حزب العدالة من منطق آخر وهذا لا يستقيم، وإذا كان من مستقل فهذا مخالف لوجود الفارق، أما إذا كان من منطق حزب رئيس الحكومة نفسه فلا بد لي أن أعود إلى مجال منطقهم.

يبدو أن صديقنا ضاعت بين عينيه السبل، فأردفت قائلا: دعنا نحاكمهم من خلال ما كتب من هو منهم، نظر إلي باستغراب قائلا: عن من تتحدث؟.

أجبته قائلا: يبدو أنك لا تعلم أن هناك من الكتابات من داخل حزب العدالة والتنمية من انتقدهم، مثل فريد الأنصاري رحمه الله بل وصف كثيرا من توجهاتهم ب "الاستصنام" ووضع منها ستة أصناف، منها الحزبي والنقابي والشخصاني والتنظيم الميكانيكي والعقلي والمذهب الحنبلي، (( كتاب: الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب انحراف استصنامي في الفكر والممارسة: فريد الأنصاري)).

ومن ملاحظاته أنه كثيرا ما يتساءل عن أي تنظيم أضحت له الحركة الإسلامية؟ عن الحزب أم عن حركة التوحيد والإصلاح؟ وأيهما يتحكم في الآخر؟ ففي كثير من الأحيان الآخرون يصفون الحزب بالذراع السياسي للحركة الدعوية و عند غيرهم توصف الحركة بالذراع الدعوى للحزب السياسي، وإذا كانت الأذرع كذلك، فأين هو القرار؟ أين هو العقل والقلب والجسم؟.

يبدو أن المرحوم فريد الأنصاري في كتابه "الأخطاء الستة" يريد أن يظل دعويا لا سياسيا ولا نقابيا، يتصور أن الزعامة تكون للأقرب إلى الله وليس للأقرب إلى السياسة، وينتقد هيمنة السياسي على الدعوى لدرجة أنه نص في كتابة أن "حركة التوحيد والإصلاح عرفت موتا تدريجيا وتم مسخها إلى صورة حزب العدالة والتنمية" والعهدة على الراوي.

أما وقد أصبحت حركة التوحيد والإصلاح اليوم تحت الرقابة المباشرة لرئيس الحكومة، فإن الفقيه فريد الأنصاري كان رحمة الله عليه محظوظا أن وافته المنية قبل عيش تجربة دخول أبناء حركة الإصلاح والتوحيد سدة السلطة.

فالأنصاري رحمه الله اعتبر في انتقاداته أن هناك توجهات تخالف الشرع لفائدة الديمقراطية، وانتهى إلى القول "تقدم دهات السفهاء وتوقف حكام الفقهاء"، بل أنه خلص إلى أن "قيادات الحركة الإسلامية خذلوا الجماهير بعبارات براقة، فصنعوا أغلبية من رأيها العام كما يساس العوام ويزجرونها كما تزجر الأنعام بدعوى الفرز الانتخابي".

في حين كان للدكتور أحمد الريسوني رأيا آخر فهو يعتبر في كتابه ((الحركة الإسلامية المغربية صعود أم أفول)) "أن الفكر الإسلامي جاء حتى قبل الدعوة المحمدية" أي مع عهد سيدنا نوح، ومن تم وجد مبرر ليعتبرها نظاما سياسيا قبل اليونان، علما أنه يعتبر أن الخصوصية تسمح بالاختلاف داخل الحركة الإسلامية، غير أنه يؤكد على "المرحلية"، بل يعتبر المرحلية مسألة جدلية، وأن الذي يمكن أن يلغيها هو الله جل جلاله، ولكنه لا يفعل، ويؤكد على أن الحركة الإسلامية لا تملك تفسيرا خاصا بالإسلام وأن هذه التفسيرات لا يمكن إلا التعايش معها، وعليه فإن حزب العدالة والتنمية من تلك التفسيرات التي لا يمكن إخراجها من الحركة الإسلامية ولكن يجب التعامل معها، وهذا التوجه لا يمكن أن نصنفه إلا بالبراغماتية الفكرية بعيدا عن اليقينية الدينية.

إن البراغماتية الفكرية استمرت حتى عند المقرأ أبو زيد الإدريسي الذي يعتبر في كتابه ((الحركة الإسلامية بين الفكر والواقع)) أن "قيام الدولة الإسلامية على صيانة الدين مجرد تعريف قاصر وكسول" ويؤكد أن ذلك يجب أن ينال من جميع مناحي الأرض من الاقتصاد إلى الجيش" أي هل نأسلم الاقتصاد ونأسلم الجيش؟ .

إن هذا النقاش يطرح إشكالا كبيرا، يكمن في مدى السماح للأحزاب السياسية التي تملك برنامجا سياسيا في ظل نظام ديمقراطي متفق عليه ينص على التداول على السلطة والقبول بالآخر ووفقا لثوابت حتى الدستور نفسه لا يمكن أن يلغيها أو يعدلها، أن تقوم بدور دعوي؟.

إن طبيعة الأشياء تؤكد أن الدعوي سيخدم السياسي ويؤثر في الشعور الإنساني عند اتخاذ القرار الديمقراطي الانتخابي، و أن الدور الدعوي هو مجال لا يجوز أن يقوم به حزب معين لكونه خارج اختصاصاته وخارج اختصاص مفهوم الحزب ومفهوم إدارة السلطة من خلال الديمقراطية، فكيف إذن سنقيم تجربة اعتمدت على جهازين "الحزب والحركة" لا ندرك من فيهم يخدم الآخر؟ وكيف يخدم هذا ذاك؟ مجال دعوي يتقاطع مع مسؤوليات إمارة المؤمنين وشرعية السلطة في المغرب ومجال سياسي يضع عدم توظيف الدين في الممارسة السياسية ضمن المحظور؟.

الجواب على هذا السؤال يحتم علينا ترك تقييم التجربة السياسية للبرلمان وترك للفقهاء تقييم التجربة الدعوية وهو الأمر الذي سيضعنا في مأزق فكري، إذ كيف يمكن فصل الاثنين؟.

فإذا كانت المشروعية تمكننا من تقييم العمل السياسي، فكيف سنقيم المجال الديني علما أنه مجال لا يمكن تقييمه حسب الفقهاء إلا من طرف "الذين ينطقون بالحق ويعقلون بالحق ويعرفون الحق بالحق وينظرون بالحق إلى الحق"؟ أعتقد أن هذه لا تتوفر في كل الديمقراطيين ولا في كل من ينتمي إلى حزب سياسي حتى ولو كان بمرجعية دينية، فالسياسي الحزبي تحكمه المصالح والمواقف والمكاسب، وما علاقتها إذن بمفهوم الحقل الديني؟.

نظر إلي صديقي بعينين يحملان الكثير من الاستغراب ثم قال: وكيف نقيم إذا هذا الحزب؟

أجبته مبتسما: نناقشه كأيها حزب، يخطئون ويصيبون، يصلحون ينحرفون و ينعرجون، وهي مسألة تقييم لعمل بشري إنساني، نقرأ برنامجهم الانتخابي والحكومي فنقارنه مع الواقع، وليس التصويت عنهم يساوي حج بيت الله الحرام ولكنه تصرف إنساني حميمي بين الإنسان وضميره.

نظر إلى صاحبنا متسائلا: ومن يقم بذلك؟.

إن الجواب على هذا السؤال يقتضي نوعا من الموضوعية، فالموضوع ليس فقهيا حتى نحتاج إلى العالمية، إذ كل مواطن يمكن تقييم عمل الحكومة من خلال سؤال فريد، ما هي انعكاسات سياسة الحكومة على الفرد والمجتمع؟ وكل عايشها بطريقته ولمدة خمس سنوات، أما عن سؤالك الأول هل ستستمر هذه الحكومة؟ أقول قول الله تعالى : ((إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدرا)).

* محام ونائب رئيس مجلس النواب باسم الأصالة والمعاصرة.

ليست هناك تعليقات: