مركزتيفاوت الإعلامي
رشيد الحاحي
تمكن إلياس العماري، ابن السيدة خديجة بائعة الدجاج القادم من هوامش المغرب المقصي والذي أوصلته ترجمة كتاب حرب الغازات السامة بالريف وخدماته إلى قلب العاصمة ودهاليز قاعات العمليات المركزية، تمكن وبأسلوب الإجماع من تولي الأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة خلال مؤتمره الأخير، وهو ما يمثل علامة تحول مهمة في الحياة السياسية بالمغرب وتركيبة الأحزاب وخطابها، ومما يعطي فكرة وصورة واضحة عن شكل وحدود رقعة اللعب الجديدة، وما يرتبط بها من آليات ومسارات الاستدماج والمهام، وكذا الصراعات والتخوفات القادمة.
ولعل الطرف الذي سينزعج حد الأرق المزمن من وصول إلياس العماري إلى رئاسة "البام" بعد أن كان يقوده من وراء ستار، هو حزب العدالة والتنمية وأمينه العام الذي جعل من نقد شرعية "البام" وملابسات نشأته وممارساته في البداية، ومن نقد إلياس العماري بالذات، أساس مشروعه الحزبي والخطابي، خاصة خلال حراك التغيير الذي أحسن الركوب عليه للنيل من خصمه وللوصول إلى رئاسة الحكومة.
الآن، شكل رقعة اللعب الجديدة ومساحتها وخطوطها وألوان الأقمصة ولاعبي الفرق بدأت تتضح. المغاربة لم تعد لديهم إمكانيات اختيار كبرى للتموقع في رقعة اللعب الجديدة. فإما حزب العدالة والتنمية الذي يمكن أن يشكل العمود الفقري لبلوك يميني محافظ في المستقبل، وهو الذي رغم فشله في تدبيره الحكومي بعد حراك التغيير، سيحتفظ بجاذبيته الشعبوية والدعوية لمزيد من الوقت، أو حزب الأصالة والمعاصرة الذي يبدو أنه تجاوز عقدة تاريخ ومكان ازدياده بعد أن أشرف رئيس الحكومة على نتائج الانتخابات الجماعية الأخيرة التي احتل فيها "البام" المرتبة الأولى، وتفضيل رفع الستار أمام إلياس العماري للمرور إلى واجهة القيادة، وجمعه بين كل الأطياف والتوجهات والألوان من يساريين وأعيان وقوميين وأمازيغيين وحداثيين وتقليدانيين وديمقراطيين ووصوليين، إضافة إلى الأحزاب والجمعيات والمنظمات "ساتليت" التي تدور في فلكه.
إذا كانت هذه المؤشرات هي التي ستحدد مستقبل الحياة السياسية والإدارية في المغرب كما يخطط لها في ظل تحولات الوضع الراهن، إن لم تحدث مفاجآت جديدة، فإن مسارات التوجيه والاستدماج وإعادة الإنتاج التي تم رسمها تطرح أسئلة كبرى على مختلف الإطارات والفاعلين الديمقراطيين والنخب والكفاءات المستقلة، وعلى جموع المواطنين والمواطنات العازفين والرافضين والمستقلين والمتقاعدين والمحبطين والمتفرجين والغاضبين واليائسين والحالمين...، وعلى رأس هذه الأسئلة إمكانية شق طريق ثالث بين "البيجدي والبام"، ومن بين هذه القوى الحركة الأمازيغية.
فبين حزب "البيجدي" الحاكم الذي عبر مرات عن عداء معلن للأمازيغية وخطابها وإطاراتها المدنية، وناضل ضد ترسيم الأمازيغية في دستور 2011 وهو الآن مستمر في الاستهتار بالملف الأمازيغي ووضع القوانين التنظيمية المفعلة للطابع الرسمي خلال تدبيره الحكومي وأداء فريقه البرلماني.
وحزب "البام"، نقيضه المعارض، الذي يتبنى بعض أعضاء قيادته الدفاع عن الأمازيغية وجزء من خطابها، وتربط أمينه العام الجديد علاقة استدماج ومصالح شخصية مع بعض أمازيغ العاصمة المستدرجين إلى لعب أدوار تمثيلية ووساطية لإضفاء الشرعية على رقعة اللعب الجديدة. لكن في غياب أية ضمانة فعلية عن التزام الحزب في الشأن الأمازيغي خصوصا باستحضار تركيبته المتناقضة وأولوياته ومهامه السياسية، والذي سيخضع بدوره إن آجلا أو عاجلا لمفارقات التركيبة والخطاب والممارسة، وباستحضار كذلك بنية الدولة وشروط الممارسة الديمقراطية بشكل عام، إضافة إلى طبيعة الملف الأمازيغي وخطورة معالجته وإقحامه في الصراعات السياسية المتغيرة والتوظيفات الإستدماجية الملتبسة والتدابير العابرة.
ينبعي التأكيد على أن الأمازيغية يجب أن تندرج في صلب الاختيارات الكبرى للدولة والمجتمع والمشروع الديمقراطي والحقوقي، وتمتد إلى مسويات التدبير الاستراتيجي للشأن اللغوي والثقافي والهوياتي الوطني، ومن تم ليس في صالحها أن تتحول إلى "ملكية حزبية" في سوق الأحزاب الخاضع للتقلبات، ولا إلى مطية للاستدماج أو آلية للوصول إلى الحكم ولصراع المواقع.
لكن أيضا، لا يمكن أن تبقى الأمازيغية ضحية إيديولوجية مناوئة ومقاربات مزاجية وتدابير متحايلة ومفضوحة، كما لا يمكنها أن تتحقق وتصل إلى مستويات التمكين القانوني والمؤسساتي، رغم قوة حركتها المدنية ومشروعية خطابها التعددي والحقوقي والديمقراطي، دون محتضن وفاعل سياسي كبير.
هنا وجه المفارقة وعمق الإشكال والتحدي الديمقراطي الذي علينا أن نعيه ونجيب عنه، فبه يشترط بناء المستقبل الذي يتجاوز، لا شك، حدود ولاية تشريعية أو فترة حكومية عابرتين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق