بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 31 ديسمبر 2015

التفكير في طبيعة اللغة بالأمازيغية!

التفكير في طبيعة اللغة بالأمازيغية!

مركزتيفاوت الإعلامي
عبدالله الحلوي
سأحاول أن أقنع القارئ العزيز في مقالي هذا بأن معجم اللغة الأمازيغية يتضمن تصورا فريدا للغة ـــ تصورا اكتشفه اللسانيون والفلاسفة وتحدثوا عنه رغم أن معجم لغاتهم لا تتضمنه ولا تعبر عنه بشكل مباشر. إذا كانت حجتي مقنعة وفرضيتي صائبة، فهذا يعني أن على اللسانيين المتخصصين أن يبذلوا جهدا أكبر لفهم التصور الذي أشير إليه، وفهم الكيفية التي تعبر بها ألفاظ اللغة الأمازيغية عن هذا التصور.

بداية الحكاية

سنة 1968، نشر عالم اللسانيات الأمريكي نوعام شومسكي كتابا مهما عنوانه "اللغة والعقل" (أعيد نشر هذا الكتاب في 2006 بنسخة مزيدة ومنقحة). الهدف الأساسي لهذا الكتاب هو أن يصف لنا ما كان يعتقده العلماء والفلاسفة في الماضي، وما وصل إليه اللسانيون في الحاضر، وأن يستشرف ما ينبغي أن يتجه اللسانيون إلى البحث فيه مستقبلا.

من الملاحظات الثاقبة التي عبر عنها شومسكي في هذا الكتاب أن القواعد التي تنضبط لها اللغة الإنسانية عادة ما تكون "غارقة" في جزء عميق جدا من اللاوعي الإنساني بحيث يستحيل تذكرها أو الوعي بها بمجرد أن يتأمل الإنسان في ما يصدر عنه من كلام. لذلك فقد انتقد شومسكي فهم فرويد للاوعي واعتبر أن "اللاوعي اللغوي" هو أعمق بكثير من اللاوعي الذي تتراكم فيه ذكرياتنا المؤلمة ومكبوتاتنا.

من نتائج هذا الفهم للغة أن الباحث اللساني لا ينبغي أن يكتفي بدراسة المظاهر السطحية للغة بل ينبغي أن يراكم المعطيات التجريبية حول أعمق خصائصها مما تحجبه عنا بنياتها الظاهرة.

ساهم الفلاسفة أيضا في تعميق فهمنا لظاهرة "عمق اللغة". من ذلك أن هايدڭر لم يكتف بالتأكيد على الطابع "العميق" للغة بل سلط الضوء على الطابع شبه المتناقض الذي نختبره عندما نستعمل اللغة. فعندما أتكلم أو أسمع ما يقوله متكلم، وعندما أكتب أو أقرأ ما كتبه كاتب، فإني أستعمل جهازا شديد التعقيد من القواعد، ولكن ذهني الواعي ينصرف عن هذه القواعد انصرافا ولا يهتم إلا بالمضامين العملية للمنطوق أو المكتوب. فهايدڭر يرى بأن اللغة هي شكل من أشكال انخراط الكائن الإنساني في العالم يشبه، مثلا، "انخراط" الخياط في عالم الخياطة الذي لا يصبح الخياط واعيا به إلا عندما يدخل نوع من الخلل على هذا العالم، كأن تنكسر الإبرة أو أن تُجرح أصبع الخياط. فمناط التواصل ليس الوعي بالقواعد بل الإنخراط في عالم التواصل بشكل حقيقي وأصيل.

الثمار العملية لفكرة "عمق اللغة"

من الثمار التطبيقية لفكرة "عمق اللغة" ما أدركه علماء اللسانيات التطبيقية المتخصصين في مناهج تعليم اللغة أن تدريس اللغة لا يكون بتدريس قواعدها بشكل مباشر، بل بدمج هذه القواعد بطرق ذكية في سياقات تواصلية يصممها واضعو المناهج الدراسية اللغوية بشكل يحفز المتعلم إلى الإنخراط بشكل شبه حقيقي في هذه السياقات. من ذلك، مثلا، منهج السوجيستوپيدياsuggestopedia ، الذي يحفز المتعلم إلى الإنخراط عاطفيا في سياق تعلمي يندفع داخله اندفاعا إلى استعمال اللغة. من ذلك أيضا منهج الإستجابة البدنية التامةTotal Physical response التي يتعلم فيها التلميذ معجم لغة من اللغات، لا بحفظها، بل بالإستجابة لها بدنيا.

من ثمار هذا التصور أيضا أنه يمكن المهندس المعلوماتي من فهم ما ينبغي للآلة حوسبته إذا أريد لها أن تقلد الفهم الإنساني والإنتاج الإنساني للغة، وذلك في أفق إقدار الآلة على فهم اللغة وإنتاجها بشكل حقيقي.

"التكلم" في المعجم الأمازيغي

تميز اللغة الإنجليزية وكثير من اللغات الأخرى بين فعلين يدلان على التكلم هما فعل talk الذي يستعمل بمعان من بينها "تحدث"، وفعل speak الذي كثيرا ما يستعمل بمعنى "تكلم". أما الأفعال التي تدل على معاني "التحدث" و"الكلام" في الأمازيغية فتتميز بظاهرة فريدة تنسجم بشكل مثير مع خاصية عقلية اللغة التي اكتشفها شومسكي وغيره. لنشرح!

نعبر في الأمازيغية عن فعل "التكلم" باستعمال أفعال متعددة من أهمها فعل "إيسّيول" أو "إسّاول" (بتشديد السين أو تخفيفها) وفعل "إنّا". لفعل "إساول" مشتقات كثيرة ك"إمساوال" الذي معناه "كالم" و"أسيوْل" و"أمسلاي" أي "الكلام" و'أمسّاوال" التي هي صيغة المبالغة "كليم" فجاز أن نقول عن سيدنا موسى "أمسّاوال نربي" الذي معناه "كليم الله".

لكن الملاحظة المثيرة التي لم يُنتبه لها لحد الآن، حسب علمنا، هي أن فعل "إساوال" فعل مزيد ليس له أصل فعلي. لنشرح.

يخضع بناء الفعل في الأمازيغية لقاعدة تحول الفعل من اللزوم إلى التعدي بإضافة السابقة الصرفية "س". ففعل "إيمون" مثلا تعني "رافق"، لكن إذا أضفت إليه السابقة "س" فأصبح "إسمون" فسيكون المعنى هو: "جمع" (أي جعل شيئا يرافق شيئا آخر").

لذلك فإن الأصل في فعل "إساول" هو "أوال" الذي يعني "الكلام"، الذي منه "تاواليوت" أي "الكلمة" (جمعها "إيواليون"). لكن ليس هناك فعل غير مزيد من أصل "أوال" (فلا نقول: "ياوال" أو"إتّاوال" بمعنى "يتكلم"!). لذلك فإن الترجمة الدقيقة لفعل "إساوال" في الأمازيغية ليست هي "تكلم" بل "جعل ... يتكلم"، كأنك تقول: "جعل نفسه يتكلم" أو "جعل الكلام على لسانه".

ومما يؤكد تحليلنا هذا أن فعل "إنّا" ( الذي نشتق منه "تينّيت" و"تينّاوت" و"تينّاوين" بمعنى "الكلمة" و"الكلمات" و "تيمنّا" و"ئمنّان" بمعنى "التافه من الكلام") أصل غير مزيد، مما يجيز أن نقول: "إنّا يا واوال". لكن بما أن "إساوال" مزيد على أصل غير معلومم فلا يجوز أن نقول: "إساوال يات تينيت" لأن مفعول "إساوال" هو الأصل الذي زيدت عليه السابقة السينية "س".

وعليه فإن فعل ''إساوال" يفترض أن هناك مستويين في الكلام: "مستوى فعل الكلام الذي يدل عليه الأصل "أوال" والفعل "إنّا"، ومستوى المتكلم الذي "يجعل الكلمات كائنة" (الذي "يسبب الكلمات" إذا صح التعبير). وهذا بالضبط ما يقصده شومسكي وهايدڭر عندما يميزان بين المستوى الذي تعمل فيه كلماتنا (والقواعد التي تنضبط لها هذه الكلمات) باستقلال عن وعينا، والمستوى الذي ننخرط به في المضامين التي تعبر عنها كلماتنا.

لذلك ينبغي على اللساني اللغوي الأمازيغي أن يستعمل فعل "إساوال" للتعبير عن استعمال اللغة ونحن نتحكم فيها تحكما واعيا، وأن يخصص "إنا" ومشتقاتها للإستعمال المنخرط في العالم بتعبير هايدڭر.

خلاصة

لقد آن الأوان لاستثمار غنى اللغة الأمازيغية لا بتعلمها ودراستها فقط، بل أيضا بالتأمل في اللغات الإنسانية الأخرى من وجهة نظر هذه اللغة العريقة.

ليست هناك تعليقات: