مركزتيفاوت الإعلامي
*عبداللطيف وهبي
عرف صف المعارضة كثير من الشد والجدب مباشرة بعد انتهاء الانتخابات الأخيرة، والحقيقة أن هذا الوضع تحكمت فيه السيناريوهات المحتملة في المستقبل القريب ولكن بشكل خفي أكثر مما تحكمت فيه نتائج الانتخابات الأخيرة، فحتى حزب الاستقلال الذي عرف انعراجا حادا في مواقفه كانت نتائجه الانتخابية جيدة، مما لا يسمح بأن يتم اختزال نتائج حزب بكامله في إشكالية دائرة الأمين العام.
غير أنه بدأت مؤخرا تطفو على السطح بعض من مواقف الحزب تثير إشكالات أكاديمية ودستورية أكثر منها سياسية، فحزب الاستقلال حزب قوي وله تاريخ وامتداد جغرافي ولا يمكن إقصائه من المعادلة السياسية كيفما كان راسموها.
ومن بين مواقف الحزب المثيرة التي ضمنها بيانه الصادر عن اجتماع المجلس الوطني الأخير ما أسماها ب "المعارضة الوطنية"، وقد صرح بعض قيادييه بأن الحزب سينهج "المساندة النقدية" في مواجهة الحكومة، والحقيقة أن لفكرة المساندة النقدية تاريخ ارتبط دائما بعلاقة المعارضة بالسلطة، فبعد وصول الزعيم الاتحادي عبدالرحمان اليوسفي إلى الوزارة الأولى سنة 1998 كان قد عرض على حزب العدالة والتنمية العضوية في حكومته بوزير منفرد، و آنذاك كان السيد عبدالإله بنكيران من المدافعين عن المشاركة في حكومة اليوسفي ربما لخلق الجسور الأولى مع السلطة، غير أن موقف المرحوم الدكتور الخطيب الذي ترعرع في أحضان هته السلطة رجح القرار بعدم المشاركة في حكومة التناوب، واتهم آنذاك بأن موقفه كان نتيجة إملاءات من الدولة العميقة ضد في حكومة التناوب، ليعلن الفريق البرلماني للعدالة والتنمية عن نهج سياسة المساندة النقدية للحكومة واستمر هذا الموقف لسنتين حتى انتهت هذه "المساندة النقدية" بسبب المواجهة السياسية التي كان موضوعها الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، وأعلنت العدالة والتنمية آنذاك موقفا وصفته ب "المعارضة الناصحة"، غي أن حزب العدالة والتنمية نهج مواقف حادة جعلت البعض يصف معارضته بالمعارضة الناطحة للحكومة وليست الناصحة. وعندما وصل إدريس جطو إلى الوزارة الأولى سنة 2002 وبعد تغييب الزعيم عبدالرحمان اليوسفي ضدا على الشعار الذي رفعه هذا الأخير حول المنهجية الديمقراطية حتى أن البعض وصف آنذاك تعيين جطو بأنه إعلان رسمي عن انتهاء مرحلة المرحوم الملك الحسن الثاني وبداية مرحلة جلالة الملك محمد السادس، وحين كان حزب الاتحاد الاشتراكي يعتبر مشاركته في هذه الحكومة رسالة طمأنة للقصر كي لا يفهم من عدم المشاركة هو قطع للعلاقة بين الملك وحزب الاتحاد الاشتراكي تفاديا لما وصفه بعض القياديين آنذاك بالخطأ التاريخي مع الحسن الثاني، اعتبر البعض الآخر أن الدخول في هذه التجربة بحجم مقزم هو ضرب للمنهجية الديمقراطية وبداية نهاية حزب الاتحاد الاشتراكي عند البعض.
وبعد ذلك وانطلاقا من نتائج انتخابات 2007 التي كان من تداعياتها أزمة قيادة داخل هذا الحزب، حيث تمت إقالة كاتبه الأول الأستاذ محمد اليازغي وسط غضب قواعد الحزب من طريقة المشاركة العادية في حكومة عباس الفاسي، فكانت النتيجة هي مسك العصا من الوسط واتخذ المكتب السياسي قرارا ب "المساندة النقدية" لحكومة الفاسي، وكان الرئيس المرحوم أحمد الزيدي يطرح دائما تساؤلات حول كيفية وطريقة تصريف هذا الموقف، حيث ظل يعتبره مجرد موقف فكري أكثر منه منهجية للعمل أي لا يمكن تصريفه واقعيا.
وفي ظل هذه التراكمات السياسية وأمام انعراج حزب الاستقلال اليوم، ثمت إعادة توظيف هذه اللغة السياسية رغم اختلاف الظروف لكون دستور 2011 حسم في موضوع التموقع السياسي إما الاصطفاف في المعارضة أو الانحياز للأغلبية، وإذا كان البرلمان هو المجال المؤسساتي لممارسة إحداهما فإن النظام الداخلي ألزم الفرق بالتعبير عن تموقعها السياسي اتجاه الحكومة معارضة أو انتماء للأغلبية مما طرح مشكلة قانونية ودستورية، حتى أن البعض اعتبر موقف حزب الاستقلال هو تخل عن الموقع السياسي من طرف الفريق بأكمله، ويبدو أنه لم يسعفهم الفصل 61 من الدستور في هذه الحالة.
وهكذا صرح القيادي الاستقلالي عبدالله البقالي أن معارضة حزب الاستقلال الجديدة تتموقع في المنطقة الرمادية، والحقيقة أن هذه الإبداعات الفكرية كلها تؤكد أن هناك أزمة سياسية تلتها محاولات لمعالجتها لغويا، فبيان المجلس الوطني لحزب الاستقلال تحدث على معارضة وطنية وموضوعية وادعى أن معارضته ستحمل هوية وطنية استقلالية بعودة القرار السيادي للحزب وستكون معارضة نزيهة وموضوعية، غير أنه إذا كان من حق حزب الاستقلال أن ينهج الموقف الذي يرتئيه فهناك أسئلة عدة تفرض نفسها وهي كالتالي: ما هي المعارضة التي كان ينهجها حزب الاستقلال قبل الانتخابات الأخيرة؟ ثم إذا كان قد وصف معارضة المستقبل فكيف يمكن وصف معارضة الماضي هل هي نقيض ما صدر عن المجلس الوطني الأخير أم هي مسألة رجوع الوعي أو عودة الأخلاق؟ و هل يمكن أن نمارس سياستين متناقضتين بنفس القيادة الحزبية؟ وهل أن حزب الاستقلال بتاريخه وماضيه وإنتاجاته الفكرية وزعمائه التاريخين كان لقمة صائغة للأطراف الأخرى -لم يحددها بيان المجلس الوطني وتناوب على تحديدها تصريحات محيط الأمين العام للحزب- التي انتفت معهم إمكانية التنسيق مستقبلا؟ .
إن بيان المجلس الوطني لحزب الاستقلال حول المعارضة التي سيقوم بها الحزب -والتي من حيث المبدأ علينا أن نحترمها- يتعين أن لا تكون جلدا للذات السياسية للحزب، لكون المواقف المنصوص عليها في المجلس الوطني الأخير هي أحكام جاهزة بالإدانة للقيادات السياسية التي مازالت تقود الحزب، خاصة وأن الظروف لم تتغير والواقع السياسي لازال هو نفسه في ظل المدة التي قضتها هذه الزعامات في قيادة الحزب، ونعتقد أنه حان الوقت لكي تتعامل أطراف المعارضة بنوع من الحوار فيما بينها، ففي السياسة ليست هناك عداوات دائمة ولا صداقات دائمة، هناك مواقف وهناك حسابات ولكن السياقة السريعة في المنعرجات الحادة قد تؤدي إلى حوادث سير سياسية لا نحبذها لحزب بهذا الحجم وبهذا التاريخ وبهذه القدرة على مواجهة التحولات، إذ حتى تحميل اللغة حمولة بهذا الحجم قد يجعل الحزب يراهن بمستقبله السياسي من أجل حسابات الحاضر، وأعتقد أن السياسي الهادئ لا يشتم المستقبل، لكون هذا الأخير تصنعه معطيات وعناصر قد تكون بين يدي الأطراف وقد تكون خارجه تأثيرهم، ولا أظن أن الناخبين بما يملكونه من استقلالية وذكاء يستطيع أحد أن يتحكم فيهم حتى ولو كانت المدة لا تتجاوز السنة، ومن ثم فالسياسة تقتضي التريث والهدوء، أما استعمال اللغة فلن يكون مصدر قوة لأي حزب، لكون اللغة وسيلة بين يدي الجميع، و الحادق في استعمالها دون وعي بتأثير دلالاتها على الآخر وقطع شعرة معاوية معه سيجعل من ثقلها عبئ مستمر في الزمن وفي الدلالات، وقد يحتاج حزب الاستقلال إلى كثير من التحولات ليعيد بناء خطابه السياسي، فالمسألة لا تهم مثقفين يناقشون على مستوى العاصمة، أي ليست قضية أفقية بالنسبة للحزب، بل هي قضية ذات دلالة عمودية وليس كل مناضلي الحزب لهم هذه القدرة على الانعراج الحاد لمجرد الولاء للقيادة.
إن ما نتمناه هو أن يخرج حزب الاستقلال من كل هذا كما تعودناه دائما وفيا لكتاب علال الفاسي "في النقد الذاتي".
* محام ونائب رئيس مجلس النواب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق