
مركزتيفاوت الإعلامي
مبارك بلقاسم
نجح الإعلام العربي الحديث والنشر العربي المطبوع في ترويج مصطلحات القومية العربية إلى خارج الأراضي العربية الحقيقية في آسيا فانتشرت حتى في الغرب. وأصبح الإعلام الغربي والغرب عموما يتبنى في كثير من الأحيان المصطلحات العربية مثل "العالم العربي" و"الأمة العربية" ظنا منه أنه ينصف شعوب شمال أفريقيا والشرق الأدنى ويحترمها ويجاملها لعلها تغفر له بعض جرائمه الاستعمارية أو تغفر له تحالفه مع الأنظمة الاستبدادية. والغرب في الحقيقة يتبنى مصطلحات عربية إعلامية شائعة يحرص العرب على ترجمتها إلى الإنجليزية بشكل منتظم. وهي مصطلحات ومفاهيم تدوس على هوية الشعوب الأصلية كالشعوب الأمازيغية في شمال أفريقيا والشعب الكردي والشعب النوبي في جنوب مصر وشمال السودان وغيرها من الشعوب.
استخدم العرب أموال النفط بشكل كثيف في تمويل الإعلام المرئي لنشر أيديولوجياتهم. وهذا هو الغرض الذي يقف وراء إنشاء قنوات "الجزيرة" و"العربية" و"الميادين" وهي قنوات تتلون في كثير من الأحيان وفق رغبات ولي النعمة ولا تختلف عن "التلفزات المخزنية" إلا في الدرجة وليس في الطبيعة. ومن الطبيعي أن يروجوا للمصطلحات التي تعجبهم ومنها طبعا "العالم العربي" و"الوطن العربي من المحيط إلى الخليج" وغير ذلك. أضف إلى ذلك أن أنظمة شمال أفريقيا انخرطت هي أيضا في الترويج المجاني لهذه المصطلحات العربية وقامت بعملية تعريب التعليم والإعلام والبشر والحجر ومنع الأمازيغية في كل المجالات بكل حماس وإصرار طيلة القرن العشرين. بل إن الدولة المغربية لم تعترف بوجود شيء اسمه "اللغة الأمازيغية" إلا في العام 2001.
ولكن الإنترنت والثورات الشعبية والهجرات الأمازيغية إلى أوروبا غيرت من معادلة القوة التقليدية ولم تعد أنظمة شمال أفريقيا قادرة على إتمام التعريب وقتل الأمازيغية بهدوء والعالم غافل. نجحت الأمازيغية في الوصول إلى قلب الأضواء بفضل الإنترنت والثورات الشعبية، وبفضل الحرية والإمكانيات المادية والإعلامية والأكاديمية التي تتوفر في بلدان المهجر الأوروبي والتي مكنت الأمازيغية من أوكسيجين كانت محرومة منه في بلدانها الأصلية تحت التعتيم والتعريب الاستبدادي.
وهذه التطورات أجبرت الدولتين المغربية والجزائرية على إعادة حساباتهما وتقديم بعض التنازلات الرمزية والاعتراف بأن "الأمازيغية لغة" (إيوا على سلامتهوم!) وبأن الأمازيغ هم سكان شمال أفريقيا. والآن عَبَرَت الأمازيغية إلى حالة النجاة من الانقراض التام الذي كان (ومازال) يتمناه لها التعريبيون في البلدان الأمازيغية. ولكن الأمازيغية لم تنج بعد من سرطان الانكماش الديموغرافي الذي مازال ينهش فيها لحد هذه اللحظة بسبب عوامل مختلفة أهمها استمرار سياسية التعريب الناعم (الإعلامي وغير القسري)، وهزالة حضور اللغة الأمازيغية في الإعلام، وشبه انعدام الإنتاج السينمائي، وفشل عملية تدريس الأمازيغية بسبب التعطيل البيروقراطي والسياسي.
ولا يجب أن ننسى التأثير التعطيلي لحرف تيفيناغ على مسار تسريع نشر الأمازيغية بين الشباب والتلاميذ والطلبة والمثقفين. ورغم القيمة الرمزية لحرف تيفيناغ فإن الحرف اللاتيني هو الذي سيعطي الدفعة القوية بل الحاسمة للأمازيغية لكي تنتشر بشكل سريع وتقتحم الإدارة والمدرسة والسياسة والإعلام، بل وتنتشر إلى خارج العالَم الأمازيغي. والانتقال إلى تدريس الأمازيغية بالحرف اللاتيني خطوة ضرورية وحاجة ماسة وليست من الكماليات، ومادامت لم تحدث هذه الخطوة فستستمر معاناة اللغة الأمازيغية مع سرطان الانكماش الديموغرافي.
1) اكتشاف العرب للأمازيغية والأمازيغ في العصر الحديث:
على المستوى الدولي، قد يتفاجأ المرء بشدة حينما يعلم أن العرب في الخليج والناطقين بالعربية في الشرق الأوسط (أو "الشرق الأدنى" وهو المصطلح الجغرافي الأوروبي الأصلي لتلك المنطقة) قد أصبحوا في السنوات الأخيرة يعرفون الكثير عن الأمازيغ وعن الأمازيغية. فقبل 10 سنوات فقط كان العرب في الشرق لا يعرفون شيئا اسمه "أمازيغ" ولم يسمع معظمهم بهذه الكلمة أصلا. وحتى كلمة "بربر" التي يصطدم بها بعضهم في بعض المعاجم والكتب المنسية التي يغطيها الغبار على الرفوف كانت مجهولة بالنسبة لهم، فيخيل لمعظمهم أن "البربر" مجرد شعب قديم أسطوري منقرض مثل سكان جزيرة أطلانتيس العجائبية.
ولكن مع الانفجار الإنترنيتي والتلفزي أصبح العرب في الشرق يقرأون ويسمعون من حين لآخر حول الأمازيغية ويعرفون ما هي. وأصبح الآن كل مثقف عربي أو مثقف عربي اللغة في الشرق الأدنى (الشرق الأوسط) يعرف عن الأمازيغ بقدر ما يعرفه عن الألمان والنرويجيين والفيتناميين مثلا. بمعنى أن الأمازيغية أصبحت من الأشياء البديهية المعروفة عند كل المثقفين والإعلاميين والصحفيين والسياسيين العرب بلا استثناء. وكل مثقف عربي يجهل الأمازيغ سيعتبر من طرف زملائه المثقفين العرب شخصا قليل الثقافة وغير مطلع. هذا التطور حدث فقط في ظرف 10 سنين!
2) نشر المصطلحات واللغات والأديان والأفكار هو نشر للقوة والنفوذ:
تروج الحركة الأمازيغية، وأصحابُ الوعي الهوياتي الأمازيغي عموما، لمصطلحي "العالَم الأمازيغي" Amaḍal Amaziɣ و"تامازغا" Tamazɣa للدلالة على الأراضي والبلدان التاريخية التي عاشت ومازالت تعيش فيها الشعوب والقبائل الأمازيغية، وهي أرض شمال أفريقيا من غرب مصر إلى جزر الكناري ومن البحر المتوسط إلى نهر النيجر. ويرفض الأمازيغ (ذوو الوعي الهوياتي الأمازيغي) مصطلحات "المغرب العربي" و"العالم العربي" رفضا قاطعا.أما المثقفون والصحفيون العرب (وذوو الوعي الهوياتي العربي عموما) فهم يروجون لمصطلحات "العالَم العربي" و"الوطن العربي" و"المنطقة العربية" للدلالة على ما يعتقدون أنها "شعوب عربية" تسكن شمال أفريقيا والشرق الأدنى والصومال وإيريتريا وجزر القمر ...إلخ.
وبشكل أو بآخر يدخل ذلك في رؤيتهم العامة التي تتلخص في: شعب عربي واحد من المحيط إلى الخليج، عالَم عربي واحد، لغة عربية واحدة، دين عربي واحد، ثقافة عربية واحدة، تاريخ عربي واحد، مستقبل عربي واحد ...إلخ، وما عدا ذلك من هويات ولغات وأديان فهي بالنسبة لهم تنوعات محلية عربية تدخل في إطار العروبة والعالَم العربي.
لا يوجد مصطلح واحد تستسيغه نسبة 100% من الناس. سنجد لكل مصطلح نسبة مهمة من الناس ناقمة عليه في كل زمان ومكان. وتجسد "حرب المصطلحات" بوضوح "حربا هوياتية وسياسية" رمزية. فأول خطوة لتملك شيء والسيطرة عليه هي تسميته باسم تختاره أنت ويختلف عن الاسم الشائع الذي يعارض هويتك الوطنية أو الإثنية أو الدينية أو العائ
لية. حينما يضم العربُ المغربَ أو ليبيا إلى "العالَم العربي" فهم يحاولون أن يتملكوا المغرب أو ليبيا ويسيطروا عليهما رمزيا. السيطرة الرمزية ستسهل في المستقبل سيطرة فعلية محتملة أو إلحاقا من نوع ما أو على الأقل منفعة من المنافع المادية أو المعنوية. فكل ما ينجزه المغرب سيصبح حينئذ "إنجازا عربيا". إذا فاز رياضي مغربي بميدالية أولمبية فهو "نصر مبين للرياضة العربية"، وإذا تقدم المغرب في مجال ما فـ"العرب يشهدون تقدما عظيما مشرفا"، وإذا نجحت الديموقراطية في تونس فـ"العرب أصبح يجيدون فن الديموقراطية"!
كما أن نشر اللغة العربية هو أيضا شكل من أشكال إنزال أو نشر القوة Power projection. وما يفعله العرب من نشرٍ للعربية عبر الإعلام مثلا فعلته وتفعله بشكل أقوى دول أخرى مثل فرنسا وإسبانيا وألمانيا وبريطانيا حيث تنفق سنويا مئات الملايين من الدولار في إنشاء وتمويل مئات المراكز اللغوية والثقافية التي تدرس لغاتها الفرنسية والإسبانية والألمانية والإنجليزية وتنشرها في عقر دار البلدان الأخرى. وما نقوله عن اللغة نقوله عن الدين بالضبط. فنشر الدين هو أيضا وسيلة من وسائل نشر القوة والنفوذ. وهذا ما تفعله السعودية وإيران بالضبط عندما تنشران الإسلام السني والشيعي على التوالي في كل أنحاء العالم، ولكن في في المقابل لا تسمحان للآخرين بنشر أديانهم في عقر داريهما.الدولة التي تعتنق لغتك أو تدخل إلى "عالَمِك" أو تعتنق دينك ستكون على الأرجح حليفة لك أو قد تدخل تحت نفوذك وتصبح تابعة لك بشكل ما. إنها لعبة سياسية معروفة مكشوفة يلعبها الجميع.
أما بالنسبة للدولة العظمى، الولايات المتحدة، فهي لا تزعج نفسها كثيرا في نشر لغتها الإنجليزية عالميا لأن إنتاجها العلمي والتكنولوجي والسينمائي والإعلامي يعتني بذلك خير عناية. بل هي تجني (عبر الشركات الأمريكية) الأرباح بالملايير من جيوب البلدان الأخرى البعيدة ببيع الأفلام وألعاب الكمبيوتر والأغاني والبرامج الإعلامية والمطبوعات وبقية المنتوجات الثقافية وكلها طبعا بالإنجليزية. ولا تنشر الولايات المتحدة دينا معينا في الداخل ولا في الخارج لأن دستورها العلماني يحظر ذلك صراحة ولأن الولايات المتحدة هي نفسها تستوعب كل الأديان وتعاملها قانونيا على قدم المساواة وهذا في حد ذاته مظهر من مظاهر القوة. وإنما ما تحرص الولايات المتحدة على نشره في كل أنحاء العالم هي الأفكار الأمريكية ونمط الحياة الأمريكي في حد ذاته، وهذا هو أعلى أنواع النفوذ والقوة والتأثير على الإطلاق.
3) "العالم الأمازيغي – العربي":
لعل أشهر من استخدم مصطلح "العالَم العربي – الأمازيغي" L’univers arabo-berbère هو المفكر الراحل محمد أركون في العديد من كتاباته. محمد أركون كان طبعا أمازيغيا من منطقة القبايل الجزائرية وكان يتحدث ويقرأ الأمازيغية (بشهادته هو نفسه) بجانب الإنجليزية والفرنسية والعربية. ووعيه التام بالمسألة الأمازيغية (رغم أنها لم تكن من اهتماماته الفكرية) هو ما دفعه ربما إلى استخدام مصطلح "العالم العربي – الأمازيغي". وربما كان محمد أركون يحصر هذا المصطلح في سياق معين ولكن من المؤكد أن أمازيغيته أهلته لينتبه إلى مركزية الأمازيغية في شمال أفريقيا فرأى أشياء في التاريخ (من المغرب إلى مصر التي حكمها الفاطميون الأمازيغ مثلا) لم يرها زملاؤه المفكرون والمثقفون المغاربيون المعرَّبون لغويا والذين لا يعبأون بأمازيغية شمال أفريقيا ولا ينتبهون إليها أصلا، فيستخدمون مصطلحات مثل "المغرب العربي" و"العالم العربي" بشكل عشوائي فج في سياق كل العصور التاريخية بما فيها العصور السحيقة القِدم.
والخطأ الذي يرتكبه المدافعون عن الهوية الأمازيغية لشمال أفريقيا هم أنهم ينفون وجود "العالم العربي" جملة وتفصيلا في غمرة حماسهم ودفاعهم عن الأمازيغية. بينما الأفضل هو أن يعترفوا بـ"العالم العربي" في بلاد العرب، أي أن يعترفوا بـ"العالم العربي" كعالَم مجاور لـ"العالم الأمازيغي". وربما من الذكي أن نقترح مصطلحا أو مفهوما يدمج العالمين في "عالَم أمازيغي – عربي" أو في "العالَم الأمازيغي – العربي – الكردي – الفارسي"، على غرار "العالم الغربي" الذي يدمج بين دول متعددة اللغات والهويات والقارات مثل أمريكا واليونان وأستراليا وفنلندا وإيطاليا.
4) جامعة الدول الأمازيغية والعربية؟ما الذي يمنع المغرب والجزائر من أن يطالبا بتغيير اسم "الجامعة العربية" إلى اسم آخر يحترم تاريخ شمال أفريقيا مثل "جامعة الدول الأمازيغية والعربية" أو "منظمة الشمال والشرق"؟وما الذي يمنع المغرب والجزائر من الضغط بثقلهما المعلوم لجعل اللغة الأمازيغية لغة رسمية بالتساوي مع العربية في تلك الجامعة؟ وربما قد تطالب حكومة كردستان العراق أيضا بجعل اللغة الكردية لغة رسمية للمنظمة بالمساواة مع اللغات الأخرى. ففي العصور القديمة كانت الدول والإمبراطوريات تتفاهم بفضل المترجمين والتجار الذين يتقنون اللغات. وفي هذا العصر أصبحت تكنولوجيا الترجمة الفورية الصوتية والكتابية متوفرة بكلفة رخيصة ومطبقة في كل المنظمات الدولية وحتى داخل نفس الدولة إذا كانت متعددة لغويا بشكل رسمي. ويمتلئ Youtube بفيديوهات برلمانات كندا والهند وجنوب أفريقيا وبلجيكا وسويسرا التي تبين تطبيق التعددية اللغوية والترجمة الصوتية الفورية.
وعلى مستوى المؤسسات الدولية فالأمم المتحدة ومجلس الوزراء الأوروبي والبرلمان الأوروبي والاتحاد الأفريقي ومنظمة جنوب شرق آسيا تعتمد تقنيات الترجمة الفورية منذ عشرات السنين. فالاتحاد الأوروبي له 24 لغة رسمية والأمم المتحدة لها 6 لغات رسمية وتستخدم عشرات اللغات الأخرى بشكل أقل رسمية. واتحاد جنوب شرق آسيا ASEAN له 11 لغة رسمية.
حينما نمعن في كل الحروب الدموية الحالية وحتى في المعارك الإعلامية والثقافية الحالية سنجد أن أصلها هو عدم اعتراف طرف بمشروعية وجود هوية ولغات وأديان الطرف الآخر. وحينئذ تصبح التنمية "بناقص گاع". ومن يُحْرَم من الوليمة هو الذي سيحرق الوليمة وكلَّ من يَأكل في الوليمة.
حينما تتم معالجة التعددية اللغوية والهوياتية والدينية والمذهبية بين الدول المختلفة وداخل نفس الدولة بطريقة معقولة تحفظ المساواة التامة بين كل الشعوب بلغاتها وهوياتها وأديانها ومذاهبها، ستختفي الرغبة في الانفصال والتقاتل، وستنفتح طرق التعاون الاقتصادي بين الأمم والشعوب وتستقيم التنمية الاقتصادية والاجتماعية وهي الأهم. وما أنجزه الاتحاد الأوروبي ذو الـ 24 لغة رسمية هو بالتأكيد واضح للجميع.
tussna@gmail.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق