مركزتيفاوت الإعلامي
يقول “نيتشه”: “إنني لأعرف تمامًا لماذا الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يضحك؟. فلما كان هو أعمق الكائنات شعورًا بالألم، كان لابد له أن يخترع الضحك.
هل كان لنا إن نضحك لو أننا كنا نعيش فرادي؟،
من اللافت أن الضحك يتضاعف بالجماعة ويكثر، فالإنسان نادرا ما يضحك إلا في وجود غيره من الناس، فهو يمثل “ظاهرة اجتماعية”. لذا نري “برجسون” يميز بين فن التراجيديا كونها تحمل طابعا شخصياً، وبين الكوميديا ذات الطابع الاجتماعي العام. فمن شواهد ذلك أن من يلقون النكات على المستمعين يضحكون أكثر منهم، ربما لكي يجعلوهم يضحكون بالعدوى. والمرء قد يضحك على النكتة بمجرد إلقائها لأنه مهيأ، ومُنبه اجتماعيا لذلك، حني قبل أن يستوعبها. كما أننا قد نضحك على النكات السخيفة والنكات القديمة التي سمعناها كثيرًا من قبل، إذ يبدو أن الضحك يحتاج دائما إلى أن يكون له صدى وأن يجد له تجاوبا مع الآخرين.
يقول “هنري برجسون” إن المرء لا يستسيغ أصلاً الضحك حين يستبد به الشعور بالوحدة. فضحكنا دائما هو ضحك جماعة وليس ضحك أفراد. لذا فهو يزيل الحدود، ويقوي الروابط ويجعل الإنسان ينظر للحياة بمودة، وللجنس البشري بمحبة. كما يشي “إيزنك” إلي إن الضحك نوع سام من أنواع التكيف (السامي)، وإذا كان ذلك كذلك فلا بد أن يحقق التحمل والتسامح.
ويحتاج الوجدان الشعبي/ الجمعي الذي يتوارثه الأحفاد إلى ما يذكيه، ويحافظ عليه متقدًا من جيل إلى جيل، والفكاهة المتوارثة من أكثر الأشياء التي حافظت على تلك الروح الجماعية للمجتمعات. فدلالة الضحك الاجتماعية، وربطها بالمناخ الاجتماعي، أو الطقس الحضاري، تقوّي الروابط الاجتماعية، وتزيل الخقد والشحناء، وتحد من “ثقافة العنف والعدوان”.
من اللافت ـ في السنوات القليلة الماضية ـ أن المشهد الإخباري والإعلامي والعالمي يتشح بوشاح أسود. في تكويناته ومفرداته.. حروب وقتلي، ودماء وأشلاء، واستنزاف وأطماع ، وكوارث وأوجاع، وارتفاع أسعار، وتقييد أفكار، وأزمات غذائية، واحتجاجات عمالية، وانهيارات مالية، وهزات اقتصادية، ووقود حيوي، وتسابق نووي الخ. أمور تحتم علي الإنسان/ المجتمع (الحي)، الإنسان/ المجتمع “ذلك الضاحك.. المُضحك” أن يغالبها فيغلبها، ضَحكاً وإضحاكاً، عندها “يتفوق”عليها.
هذا النص مقتبس من الانترنيت بتصرف عن: أ.د. ناصر أحمد سنه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق