بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 19 أغسطس 2014

لماذا ثُرْنا على أماني الخياط ولم نثُر على واقعنا؟



مركزتيفاوت الإعلامي
محمد الراجي
بماذا يُمكن تفسير ردود الفعل الغاضبة من لّدن المغاربة على المذيعة التلفزيونية المصرية أماني الخياط، يوم قالت إنّ اقتصاد المغرب يعتمد على الدعارة، فيما يبتلع الجميع لسانه عندما تصدر تقاريرُ تكشف أنّ آلاف المغربيات يمتهنّ الدّعارة في الخليج وفي أماكنَ أخرى من العالم؟

التفسير الوحيد لذلك هو أنّ المغاربة لديهم قُدرة عجيبة على التكيّف والتعايش مع جميع الأعطاب التي يعرفهما المجتمع المغربي، وغضّ الطرف عنْها، لكن، عندما يشير أحدهم إلى تلك الأعطاب، جهرا، ينتفضون دفاعا عن "شرف" مجتمعهم؛ وهذه سِمَة من سمات العقلية العربية.

إنّ المغاربة الذين هبّوا، دُفعة واحدة، ووقفوا "وقفة رجل واحد"، شبابا وشيبا، للردّ على ما بدرَ من المذيعة المصرية أماني الخياط، في جانبه المتعلق باستشراء الدعارة في المغرب، لا يستطيعون أن ينكروا أنّ كلامها يحمل هامشا، إنْ لم نقُل كثيرا من الحقيقة.

هذا لا يعني أنّني أؤيّد ما صدر عن المذيعة المصرية، كلّا، بلْ دعوة لوقفة تأمُّلٍ مع الذات الجمْعية، ومساءلتها، والنظر إلى صورة مجتمعنا كما هي، على صفحة مرآة الحقيقة، والعمل على ترميم ما بها من خدوش، عوض الهروب إلى الأمام، كمن يسعى إلى إخفاء أشعّة الشمس الساطعة بالغربال.

هل يستطيع المغاربة الذين شنّوا هجوما واسع النطاق على الخياط، سواء عبر المواقع الإلكترونية، أو أمام السفارة المصرية بالرباط، حيث أحرق محتجّون صورها، أن ينفوا ما ورد قبل نحو شهرين في تقرير المقررة الأممية المعنية بقضايا تهريب البشر، والذي يتحدّث عن تهجير أكثر من 2500 مغربية، منذ 2002 إلى الخليج لممارسة الدعارة؟

وحتى لا يقول قائل إنّ التقارير الدولية قد تكون مُجحفة في حقّ ما تورده من أرقام حول المغرب، نشيرُ إلى ما صرّح به المنسّق العامّ لمرصد الشمال لحقوق الإنسان، محمد يونس، قبل أيّام لإحدى الصحف الوطنية، حينما تحدّث عن وجود حوالي 9000 فتاة وامرأة مغربية، يتعاطين الدعارة في مدينة سبتة المحتلّة، تحت غطاء التهريب المعيشي والعمل في البيوت.

أكثرُ منْ هذا، فإنّ الدعارة في المغرب لا تقتصر على النساء فحسب، بل تمتدّ لتطال حتى الأطفال الصغار؛ فقد وضع تقرير صادر عن المنظمة الدولية "إكبات أنترناشيونال" في تقرير صادر عنها قبل أيام، المغرب ضمن قائمة 23 دولة تعتبر قِبْلة للسياحة الجنسية المستهدِفة للأطفال؛ ويشير التقرير إلى أنّ من بين أسباب استغلال الأطفال الفقرُ، حيث يكفي حصولهم على نقود قليلة، أو حتى على ألبسة وموادَّ غذائية، لممارسة الجنس، هذا معناه أنّ "شرف" المغاربة رخيص.

هذه الأرقام المهولة لم تصدر عن المذيعة المصرية أماني الخياط، بل عن المقررة الأممية المختصة في قضايا مكافحة تهريب البشر، ومنظمات وطنية ودولية معروفة؛ فلماذا لا يحتجّ المغاربة على هذه التقارير، التي يطّلع عليها العالم أجمع، ويتهّموا الواقفين وراءها بتشويه صورة المغرب أمام الرأي العامّ الدولي؟ لم يفعلوا، لإدراكهم أنّ الواقعَ يُزكّي ما يرِد في تلك التقارير، للأسف.

لقد استطاع المغاربة أن يُخرسوا المذيعة المصرية أماني الخياط، ويطردوها من عملها كمقدمة برامجَ على شاشة قناة "أون تي في"، بعدما اعتذرت للشعب المغربي عمّا بدر منها، واستطاعوا أن يجبروا القضاء المصريَّ على فتح تحقيق معها، لكنّ السؤال الذي يجب طرحه هو: لماذا يرى الآخرون، خصوصا أهلُ الشرق، مجتمعنا على هذا النحو ؟ ولماذا ينظرون إليه بنظرة سلبية؟

فما سبقَ لأماني الخياط أن قالتْه سبق لآخرين أن ردّدوه في برامج ومسلسلات خليجية، بل سمعناه من فم برلمانية مغربية تحت قبّة البرلمان، حينما قالت إنّ الدعارة تساهم في تنشيط الاقتصاد المغربي، وهذا معناه أنّ وراءَ الأكَمة ما وراءها، لذلك، على المغاربة، إن رغبوا في عدم سماع ما لا يروقهم، أن يثوروا على واقعهم لتغييره، عوض الاكتفاء بردود الفعل الغاضبة، والتي لا تعدو كونَها مجرّد زوبعة في فنجان.
Lesoir2006@gmail.com