
بقلم الأستاذ علي هرماس :
ابتداء من عشرينات القرن الماضي إلى منتصف الأربعينات حيث توقف بسبب الحرب العالمية الثانية، عمل المدرسون اليهود في إطار الرابطة الإسرائيلية العالمية التي تعرف إختصارا ب AIU على تحرير تقارير عن وضعهم ، منهم من كان يقوم بهذه المهمة كتكليف ومنهم من اعتبرها واجبا ، في اعتقاد أصحاب الفكرة أن التقارير الدورية التي يحررها المدرسون كل ثلاثة أشهر، ستمكن من تقديم أخبار عن الطائفة اليهودية والعلاقة فيما بين أفرادها وعلاقتهم بالسكان والمعتقدات والأعمال والحاجيات والأفكار الرائجة وأهمية دور الرابطة على الإسرائيلي . في السنوات الأولى كانت التقارير تجيب جدا على انتظارات الرابطة، شيئا فشيئا بدأ المدرسون المعينون كمساعدين للرابطة يكتبون عن أشياء مختلفة تربوية وحتى الشخصية التي لا علاقة لها بالأهداف الأولى المرسومة، ترسل التقارير إلى الرئيس المركزي لرابطة الطائفة بباريس عن طريق مدير المدرسة ، هذا الأخير عليه قراءتها هو أو نائبه والتعليق عليها بعجالة، ويعقب على المحرر بملاحظات القبول أو النقص حول مختلف النقاط المدرجة بما فيها أخطاء الأسلوب، استمرت هذه العملية قبل 1928 بقليل وتوقفت بعد 1940 بسبب الحرب العالمية التي صعبت التواصل ثم أصبح مستحيلا ما بين المقر المركزي بباريس وشبكة مدارس الرابطة .
الرابطة العالمية الإسرائيلية بباريس افتتحت أوّل مدارسها بالمغرب سنة 1862 بتطوان ، أما في تارودانت تقول صولي أنجارSoly Anidjar : يوجد مخيمان campus الأصلي دشن سنة 1929 يوجد مباشرة خارج المقبرة اليهودية في ناحية جنوبية غربية من المدينة داخل السور، ومخيم أرحب أسس عقود لاحقة خارج المدينة في منطقة أخرى، العمارتان تعملان اليوم كمدرسة عمومية بعد إغلاقهما من طرف الرابطة في 1964 تبعا لاندثار أغلبية الطائفة التي تخدمها، صولي لم تحدد تاريخ مقتطف تدوينها ومكان المدرسة الأخرى التي شيدت لاحقا ، ليبقى المخيم/ المدرسة الأولى هي شاهدة تاريخ التعليم اليهودي بتارودانت، بها ثلاثة قاعات مبنية بالخرسانة وأحجار الصلصال لازالت قائمة صلبة متينة تؤدي دورها التربوي التعليمي، عما قريب يجب الاحتفال بالذكرى المئوية لبنائها ، كانت تُعرف تداولا باسم المدرسة الإسرائيلية، انصب اهتمامها أكثر على التوعية والثقافة الدينية بدءا باللباس/الهندام والتربية على حس النظافة، توجد صور تاريخية لحصص تعليمية من الفصل الدراسي حيث زليج الأرض بالأبيض والأسود ولباس التلاميذ موحد خاصة ما له دلالة دينية – الكيبا – ومدرّس اللاهوت العبري الربّي كنينو موردخاي RABBI KNINO MORDECHAI دفين مقبرة تارودانت تسمى بالعبرية المعارة، ثم محاربة الأمية والفرنسية لغة تلقين؛ لا يمنع كل هذا من نهج نمط دراسي منفتح في حصة التربية البدنية حيث ترتدي المدرسة قميص/تريكو وتنورة طويلة سوداء تتوسط الساقين Maxi-jupe قبالتها 16 تلميذة بقميص موحد أبيض وتنورة قصيرة سوداءMini-jupe خلفهن 7 تلاميذ ذكور بسروال قصيرPantacourt .

أول مدرس ومدير بمدرسة الرابطة الإسرائيلية بتارودانت عند افتتاحها سنة 1929 اسمه يوسف بسّان Joseph Bassan ولد 1907 بالإمبراطورية العثمانية، بعده بسنة إيلي بنأوزيلو Elie Benozillo يوناني الأصل وزوجته ماتيلد مدرسة مكلفة بالتقارير الدورية، ثم بيطون سليمان BITTON Chalom 1936 ، ثم إستر لفي المالح ESTHER LEVY ELMALEH، ثم لفي لفي L.Levy كان في 1953 وفي هذه السنة تم تدشين افتتاح المطعم جوار القاعات بحضور ممثل سلطات الاحتلال الفرنسي القبطان كتانضو catando رئيس مكتب الشؤون الأهلية bureau des affaires indigènes والقايد محمد بن براهيم التيوتي آنذاك. بعد ليفي جاء المدير عمران طوبالي Armand Tobaly الذي حرر بالفرنسية ما يمكن أن أسميه تقريرا تشخيصيا كلينيكيا تاريخيا من الأهمية بمكان؛ بغض النظر عن الهدف منه شكلا ومضمونا فهو يعطينا دليلا ملموسا ومؤشرا محسوسا على درجة توطين الاحتلال الفرنسي مرحليا بالمدينة في عقد الخمسينات ومقياس ترسيخ اللغة الفرنسية ومستوى تعلمها وتعميمها كلغة تواصل كتابي وشفوي بتارودانت خاصة والمغرب عامة؛ نشر التقرير على صفحة جريدة ما ناطقة بلغة موليير تحت عنوان ملاح فقير Un mellah pauvre شخّص فيه عمران طوبالي وضعية البنية العقارية لملاح اليهود بتارودانت، كونه حي معزول ومتسخ مبني بطين الطابية لا يتوفر على أدنى شروط الوقاية الصحية كقنوات الصرف ولا ماء صالح للشرب ولا كهرباء، وانتشار وباء السل بين أفراده والرماد الحبيبي والتنيا وأمراض الجلد، لولا الشمس ومناخ المنطقة الجميل بالمغرب باستثناء الصيف، الطائفة اليهودية بتارودانت فقيرة ماعدا خمسة أو ستة عائلات ميسورة، عموما تجار ثوب أو الزيت متبوعة بطبقة الصناع التقليديين الكثيرين الذين ينتظرون طيلة الأسبوع توافد العديد من المتسوقين من مختلف المناطق المجاورة لتارودانت جوار الأطلس، يومي الخميس والأحد وهو أكبر سوق أسبوعي بالمنطقة، يعملون طيلة اليوم ربما ينسون حتى الأكل؛ بموازاة هؤلاء هناك الأجراء والبنكيون الفضل عليهم لمدرسة الرابطة، تكفيهم الشهادة الابتدائية للعمل بتارودانت، عليهم قبول أي عمل بأي أجر أو الهجرة نحو أكادير ومراكش والبيضاء، لكن تحملهم العوز العائلي يضطرهم للبقاء بتارودانت يعيشون بشرف وبساطة، أخيرا طبقة المكفوفين والشيوخ والمحرومين يعيشون على مساعدات رابطة الطائفة حسب كل عائلة التي تتكون من 7 إلى 8 أفراد.

بعد هجرة يهود تارودانت نهائيا نحو مدن المغرب والخارج خاصة إسرائيل سنة 1967، أقفلت المدرسة الإسرائيلية وسلمتها الرابطة لوزارة التهذيب الوطني/ التربية الوطنية اليوم، أضيف لها حجرتين دراسيتين يسار المدخل الرئيسي بسقف قصدير ديماتيت، كان أول مدير عربي مغربي مسلم هو المرحوم رشدي حجاج الخريبكي أصلا، الروداني دارا، الرباطي إقبارا، سكن المدير بمدرسة قبور ليهود أو درب أقا كما كانت تسمى، فيما مدرسة عبد الله بن ياسين بحي أم الأحباب / مجمع الأحباب ملحقة تابعة، قبل أن تستقل كل مدرسة بإدارتها زمن المدير المرحوم جامع أسفار وبعده المتقاعد حسن مؤيد والحالي عمر خروبة ؛ فيما ذُكر لي العديد من قدماء التلاميذ اليهود لازالوا يزورون إلى اليوم المدرسة من حين لآخر، منهم شخصيات مرموقة من عالم التجارة الدولية والمال والأعمال ما بين القارات، شخصيات كندية وأمريكية وأوربية ، منهم ابن أحد المدراء اليهود الذي ولد بالمدرسة، لكن زياراتهم لا يعوّل عليها ومَقْدمُهم لا يرجى منه الخير للفضاء التربوي الذي تعلموا فيه، لأنهم يَعدون عند القدوم في لحظة انشراح وحبور ولا يوفون بوعدهم بعد المغادرة والعبور، هذا يعد بإرسال أدوات وتجهيزات، والآخر يعد بإرسال هبة نقدية للجمعية، ومن وعد أنه سيرسل مجموعة حواسيب، والأسوأ منهم استغل طيبوبة وانفتاح العاملين وقام بتصوير المدرسة وقدم المدير الحالي على أنه مدير مدرسة الرابطة وسكت !!! – الرابطة سابقا وليس لحظة التصوير – ونشر الفيديو على البوابة العبرية باليوتوب …
لا عليك مدرستنا الحبيبة، بيتنا التربوي الثاني بعد البيت الأسري، أول حُرم مدرسي وطأته أقدامنا الفتية، خطونا فيه أولى الخطوات على درب التربية الوطنية، دخلنا رحابك المقدس مطلع السبعينات من القرن الماضي نتسابق بكل فرح وانشراح وارتياح لتقبيل يد المدير المرحوم رشدي حجاج بجلابيبه الأنيقة وطربوش محمد الخامس فوق هامة الرأس أو طربوش الوطن الأحمر بخيوطه الحريرية السوداء خلفا يعلو اللباس، المدرس سي الحسن بوسكري الذي انتقل من التعليم للقضاء عمل رئيسا بعدد من محاكم المغرب من بينها تارودانت 1992، المدينة الوحيدة التي شدته بالحنين ويتذكرها في مساره المهني بالتعليم في مدرسة قبور ليهود أكثر من القضاء ، سي عبد الرزاق الزايط ، سي العربي الفاضلي رحمة الله عليه، سي ودًة لست أدري هل أقول رحمه الله أم أطال الله عمره في طاعته، سي ألحيان شفاه الله سيد السادات، سي علي كوصيرة أطال الله عمره ومده بأسباب الصحة ومتعه بموفور العافية، خالته نا جوبا طباخة المطعم – لا شُلت يداها – متعها الله بالصحة البدنية والقوى العقلية لتستعين بهما على السبحة والسجادة، يوم وجبة العدس تملأ نسمة الثوم والقزبور والعطرية رحاب المدرسة فتجلس مّا جوبا في الدرج الأول أثناء الإستراحة تنادينا : أجي أوليدي ياك ما فيك جوع هاك خبييز ؟! امرأة عصامية حنونة ورجال مبادئ دينية ووطنية صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ، ونحن على هداهم نقتدي بهم، حبا الله تلك المدرسة – إلى اليوم – بمغاربة مسلمون أدوا المهمة التربوية التعليمية بصدق وأمانة وإخلاص ديني وضمير مهني وتفاني وطني، يرقبون الله في عملهم ولا ينتظرون من الناس جزاء ولا شكورا ونحن على ذلك من الشاهدين ، بفضل تلك الزمرة الطيبة والتربية الوطنية على أياديهم البيضاء النظيفة، كافة الرعيل الأول من قدماء تلاميذ مدرسة درب أقا أو قبور ليهود من الجيل المسلم صاروا اليوم قدوة لغيرهم ونموذجا يحتذى في خدمة الوطن والمواطن وصدق القول وتنفيذ الوعد، مدرسة قبور ليهود في فؤادهم وحب الوطن يسري في دمهم، التربية عُملتهم والعمل تربيتهم .
كل زمن وتربيتنا الرودانية العربية الإسلامية بألف خير
علي هرماس، بتصرف عن مدونة الطائفة اليهودية نسيج اجتماعي انقرض بتارودانت.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق