بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 24 مايو 2014

العنف الجامعي، "تطريف" الأمازيغية، والتطبيع مع البذاءة


رشيد الحاحي


يبدو بشكل جلي للمتتبع للمشهد السياسي في المغرب أن حزب العدالة والتنمية الذي وصل إلى الحكم في سياق انتفاضات الشعوب ونضالات حركة 20 فبراير والقوى والحركات التواقة إلى الحرية والديمقراطية وإسقاط الفساد، لم يستطع الحفاظ على صورة الاتزان والانطباع بالتغيير والنضج في مواقفه وتعاطيه مع الأحداث والفرقاء والمعارضين كما يتطلب ذلك موقعه الجديد وتدبيره للشأن العام الوطني. فإخوان وأخوات سي عبد الإله بنكيران وبعض أعضاء حكومته الذين حاولوا إعطاء الانطباع بهذا التغيير والنضج السياسي خلال سنتين ونصف المنصرمة من وصولهم إلى المسؤولية الحكومية والسلطة، سرعان ما استسلموا خلال الأسابيع الأخيرة لطبعهم أو لتكوينهم وانتمائهم الإيديولوجي والقيمي والجماعي، ففصحوا عن عدة ممارسات وسلوكات ومواقف تثير السؤال عن حقيقة هذا التغيير وخلفيات أو أسباب هذا التراجع الذي لا يخدم لا مصالحهم ومصالح حزبهم والحكومة، ولا الحياة السياسية والممارسة الديمقراطية ومسار التغيير الذي يطمح إليه المواطنون والمواطنات المغاربة في هذا السياق المفتوح على كل الاحتمالات.

فهل يتعلق الأمر بسقوط القناع بعد طول محاولة إخفاء حقيقة الموقف والتصور وتوهيم المواطنين وبقية الفرقاء السياسيين والحركيين في المجتمع بالتغيير والنضج والانتقال فعلا من خطاب الجماعة والمعارضة الدعوية إلى ممارسة التدبير ومسؤولية الحكم أو على الأقل الحكومة؟ وهل السلوكات والمواقف الصادرة عن نخبة الحزب والجماعة وبعض حلفاؤها مجرد تعتر في نفس وتحمل التغيير والانتقال السلوكي والسياسي، خاصة أن تحولات السياق والجوار الإقليمي الداعم للصحوة الإسلامية السياسية وتحقق حلمها في الحكم الكبير تبخرت فاستحالت إلى مجرد حلم يقظة؟ أم أن عودة حليمة إلى حالها هو نتيجة إخفاق التكتيك السياسي بعد الوصول إلى الحكم والطموح في البقاء فيه، والإقرار الذاتي بصدمة العجز بعد انفضاح الأوهام والفشل في التدبير وإيجاد الحلول للمعضلات المطروحة، وبداية تهاوي شعبية الحزب كما تأكد خلال نتائج الانتخابات الجزئية الأخيرة؟

في كل الأحوال، فالعودة إلى الخطاب السهل ومهاجمة الجميع، و"فقدان الصواب"، ومحاولة إعادة دغدغة المشاعر واستمالة القواعد غالبا ما تبقى الحل المتبقي بعد انفضاح العجز وكساد التجربة وفشل الممارسة السياسية. ونتمنى أن لا يكون هذا هو حال البيجيدي وحكومته، اليوم.

لنبدأ بالقضية والتصرف الأول في هذه السلسلة التي تنبأ بتدهور كبير في شعبية ووضعية حزب العدالة والتنمية. فتغمد الله الطالب الحسناوي برحمته ورزق عائلته وأصدقاءه الصبر والسلوان، وقبح الله السياسة التي تتساوى في لغتها ومنطقها ومكرها آلام وأفراح الناس وتتشابه في انتهازيتها المأتم والعقائق والأعراس والمسرات والمأسات...

فلا يمكن لكل إنسان وكل مغربي نزيه تلقى نبأ الحادث المفجع الذي ذهب المرحوم الحسناوي ضحيته وسط الفضاء الجامعي إلا أن يستنكر بشدة أعمال العنف التي اجتاحت مند قرابة عقدين من الزمن بعض كليات وجامعات المغرب، تلك الأعمال والسلوكات التي أفسدت أجواء وفرص التكوين والبناء الفكري والسياسي والنقاش والصراع الإيديولوجي الخلاق...الذي كانت الجامعة المغربية فضاءه الحيوي والتأسيسي ومدرسته الأولى التي تهيئ الطالبة والطالب المواطنين لفضاء المجتمع بمختلف أبعاده ومجالاته السياسية والنقابية والحركية والاجتماعية والمدنية...

لكن، فمن تابع عناوين جريدة التجديد الناطقة باسم حركة التوحيد والإصلاح وباسم حزب العدالة والتنمية بشكل آخر، خلال أسبوع العزاء، يخاله أمام نشرة جماعة مقاتلة أو صحيفة ثورية تصدر في بلاد تعرف حالة حرب واقتتال واستشهاد يومي. فكلمة الشهيد، الاستشهاد، أسبوع الشهيد... تصدرت واجهة الجريدة بشكل مثير يتجاوز حدود الحدث الذي ذهب المرحوم الحسناوي ضحيته، وكـأن أصحابها لا تكفيهم الفاجعة في ذاتها بقدر ما يسعون إلى تحويل الحدث المؤلم إلى مجرد عرس سياسي لاسترجاع الثقة واستجداء التعاطف الطلابي بعد التراجع المهول في الشعبية السياسية والانتخابية للحزب.

إن المعالجة المنصفة والقادرة على الإصلاح والتغيير هي المعالجة التي تستطيع أن تتحلى بالجرأة اللازمة والشمولية الضرورية في تناول أشكال العنف في الفضاء الجامعي في مختلف أبعاده ومختلف تراكماته، وذلك بدء باستجلاء الحقيقة في مختلف الأحداث السابقة خاصة التي أدت إلى وفيات واعتقالات في صفوف الطلبة، كملف الطلبة أيت الجيد وبومليل والفيزازي، وإعادة فتح بعض الملفات التي غابت في أطوراها شروط المحاكمة العادلة خاصة ملف الطالبين حميد أعضوش ومصطفى أسيا اللذان حوكما بعشر سنوات نافذة على اثر أحداث سنة 2007 بجامعة مكناس، والتي تؤكد مضامين الحكم وأطوار المحاكمة غياب أدلة حقيقية للإدانة خاصة نتائج تحليل ADN، كما تؤكد جل الإطارات المدنية والحقوقية المتابعة للملف أنها تمت على أساس مواقفهم وانتمائهم الحركي والسياسي، وغابت خلالها شروط المحاكمة العادلة.

أما الحدث الثاني والسلوك السياسي اللذان كشفا من جديد عن حقيقة الموقف التقليدي لحزب العدالة والتنمية وحركته الدعوية من الأمازيغية خلال الأيام الأخيرة، فهو ذلك السلوك الذي صدر عن كل من وزير الدولة بدون وزارة في حكومة عبد الإله بنكيران عبد الله بها، ووزيره في وزارة غير مسبوقة سميت بوزارة المجتمع المدني والعلاقة مع البرلمان السيد الشوباني، حيث اتهم الوزيران في عبارات فضفاضة وغير مسؤولة الحركة الأمازيغية بالتطرف وهاجما جمعياتها وإطارتها المدنية، وذلك خلال تنصيبهما السياسي لجمعية باسم الرابطة المغربية للثقافة الأمازيغية!

فالأمازيغية ملك لجميع المغاربة كما يقولون باستمرار، لكن الخطير في هذا الحدث أن وزراء في الحكومة، بغض النظر عن انتمائهن السياسي والحزبي، أشرفوا على تأسيس إطار جمعوي تابع لحزبهم، وبغض النظر عن مجال اشتغاله وأهدافه. بل أن وزيران في الحكومة الحالية ومنهم وزير العلاقات مع المجتمع المدني هاجما خلال حفل التنصيب السياسي لإطار مدني مفروض فيه أن يكون مستقلا، إطارات وجمعيات مدنية أخرى!

في دولة وحكومة تحترم نفسها، وفي حزب ديمقراطي فعلا، التمييز بين الإطارات المدنية في فضاء المجتمع والحياة العامة، ومن طرف الوزير المفروض فيه أن يمثل كل مكونات المجتمع المدني بعد نتائج الانتخابات، بل والإشراف بشكل تمييزي على تنصيب مكتب جمعية موالية له، والتهجم الإيديولوجي والفئوي على أطراف وإطارات أخرى، كلها أخطاء وممارسات لا مسؤولة لا تتم تبرئتها إلى بالاعتذار والاستقالة.

أما الحدث الأخير الذي لا شك ستكون له تداعيات سيئة على الممارسة والحياة السياسية في المغرب، هو تحول البرلمان الذي يعتبر واجهة ووجه الحياة السياسية والمؤسسات في الدول الديمقراطية، إلى سيرك وحلبة للتراشق بالعبارات النابية، خاصة بعد تلك العبارة ألا أخلاقية التي تفوه بها وزير في حكومة العدالة والتنمية في حق نواب برلمانيين.

سبق أن كتبت في هذا العمود عن خطورة التطبيع مع الفساد الذي يمكن أن يحسب على حكومة البيجيدي إذا استمرت في الحديث عنه وتمييعه دون إجراءات وممارسات تدبيرية للحد منه وذلك باستحضار سياق الانتفاضات التي رفعت إسقاط الفساد عنوان حراكها المغربي. والآن أجدني منبها إلى خطورة أكبر، خطورة التطبيع مع البذاءة والتمييع خاصة في النقاش والتداول السياسي وداخل المؤسسات.

لن نذكركم بـأن مثل هذه الإنزلاقات والأخطاء الأخلاقية في الدول الديمقراطية لا تتم تبرئتها إلا بالاعتذار والاستقالة، وسنكتفي بتذكيركم بأول البيت الذي طالما رددتموه علينا: إنما الأمم الأخلاق...

ليست هناك تعليقات: