لحسن الجيت
لسنا هنا بصدد تقديم شهادة حسن السلوك لبعض الأقلام التي تنفت سما في الجسم المغربي، فتاريخ الأمازيغ ومقاومتهم الشرسة للاستعمار واستشهادهم من أجل الوطن شاهد على وطنيتهم وانتمائهم المتجذر لهذه الأرض، والأمر قطعا ليس بحاجة إلى تأكيد ولا إلى تزلف.
أما أن يخرج علينا مدير تحرير جريدة "أخبار اليوم" بمقال تحت عنوان "ثلاثة مغاربة في ضيافة موشي ديان" ففي ذلك إسفاف ونية مبيتة كشفت عنها أولا الحملة الإعلامية التي أخذتها الجريدة على عاتقها في الموضوع، وثانيا المنحى الذي أخذه المقال بعد استخدامه للمغاربة الثلاثة كمطية لينقض، بدون تردد، على قضية مفصلية في صلب الجدل الدائر في المشهد السياسي الحالي. وكأن صاحبنا يريد أن يقول للقراء خذوا حذركم من مؤامرة تحيكها فئة منكم ضد المغرب والمغاربة.
عفوا سيدي الأمر ليس كما تتوهم، ومقالك فيه نوع من التجني المدسوس والتحامل على القضية برمتها. فالثلاثة، وإن كانوا أمازيغ، فقد صححوا مرمى استهداف بندقيتك، ولكنك تعاميتك وأصريت على تخندقك، على الرغم من تصريحهم لجريدتك بأنهم ذاهبون إلى إسرائيل بصفة شخصية ، و لاهم يمثلون جهة رسمية أو هيئة من هيئات المجتمع المدني. وماذا بقي من ذلك ! لكن يبدو لي أن هذا التصريح لم يرقك و لا يذهب في اتجاه ما دأبت عليه من إعلام مثير ومضغضغ، ومن مواقف اندفاعية سرعان ما تتراجع إلى الوراء حينما تشعر بأن العين قد "احمرت" (من حمراء)، لكي تركن إلى السكينة وتنتحل اعتذارات من قبيل أن الصحفي أو الإعلامي قد يجتهد ولكنه قد يخطئ.
إلى جانب ذلك، فمقالك ينطوي على مغالطات مردها في الأصل إلى المفاهيم والتصورات الجاهزة التي تحلق بخيالك السياسي بعيدا عن الواقع. ومن المؤكد أنك لست حالة شاذة في ذلك، فهي ظاهرة سائدة كثيرا ما يقع فيها بعض رجال الإعلام الذين يبنون فرضيات وكأنها حقيقة ويحاولون إسقاطها على أرض الواقع لإشباع رغبات دفينة لديهم تتماشى مع ما يعرف بخطهم الإعلامي حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة التي ينبغي أن يستحضرها كل إعلامي له حس مهني.
فالمتأني في قراءة مقالك يستخلص نتيجة واحدة لا ثانية لها، وهي كون هذا المقال يدور في مجمله حول نظرية المؤامرة ولعلها أقصر السبل لتبرير الممكن وغير الممكن، وهي نظرية من ابتكارات المخلوق العربي الذي يرى في نفسه شأنا في هذا الكون أكثر مما يراه الغير فيه، وهو لا شيء. إنها لقمة الوهم أن تجهل ذاتك وأن تحملها ما لا طاقة لها به!! ففي عالم اليوم يستحيي المرء أن يقول إنه عربي. عفوا هذا الكلام ليس كيديا إنه الواقع المرير والصورة التي كونتها الأيديولوجيات المدجنة والقيادات المتهورة من قبيل الزعيم المتنرجس صدام حسين، وزعيم الكون معمر القذافي، وزعيم نفسه بشار الأسد، والقائمة في قيادات الأوهام طويلة طال مرضها قيادات محلية في المغرب وغيره. كل هؤلاء حملوا أنفسهم ما لا طاقة لهم به وجلبوا لشعوبهم الذل والهوان.
وحينما تتعجب لهؤلاء الثلاثة في تلبية هذه الدعوة انطلاقا من قناعاتهم الشخصية، فما المانع من ذلك ما دام يمثلون أنفسهم. وهل كان عليهم أن يستشيروا الأستاذ توفيق بوعشرين أو الأستاذ خالد السفياني حتى تنعموا عليهم بالموافقة وتجودوا عليهم ببركتكم. ليس من حقكم أن تقوموا مقام الدولة. ومن الذي خولكم هذا الحق حتى تفرضوا الوصاية على الناس . فبلدنا مثلما هو بلد القوانين، فهو كذلك بلد الحريات: حرية التعبير لكي يقول بوعشرين ما يشاء، وحرية التنقل لكي يسافر منير كيجي حيثما شاء. وإن اختلفت مع هذا الأخير فليس من حقي، لا اخلاقيا ولا سياسيا، أن أفتي عليه أو أنصب نفسي وصيا عليه. فهو مسؤول شخصيا عن نهجه أمام الله وأمام الوطن. وقولك بأن الثلاثة يسيؤون إلى الأمازيغية، فهذه الأخيرة أكبر مما تريدون لها أنتم من تشهير.
فهي قضية ضاربة في العمق التاريخي. وإن كان الأشخاص يسيؤون إلى القضية، فإن ذلك من المفترض أن يكون قد أساء للقضية الفلسطينية ويدخلها حتما منذ زمان في خبر كان قياسا بالسلوكيات المشبوهة لبعض قادتها. ويكفي، في هذا الصدد، أن أنعش ذاكرتكم وذاكرة السيد السفياني والسيد أسيدون، بالأخطاء الفادحة التي ارتكبتها القيادة الفلسطينية في حق المغرب والمغاربة عام 1988 في الجزائر حينما دعت رئيس الجمهورية الصحراوية الوهمية محمد عبدالعزيز المراكشي كضيف شرف في الجلسة الافتتاحية للمجلس الوطني الفلسطيني الذي شكل مناسبة لإعلان دولة فلسطين. وإذا كان المغاربة يعتبرون القضية الفلسطينية "قضية وطنية"، فإني آمل من السفير الفلسطيني في الرباط أن يعلن يوما ما أنه مع الوحدة الترابية للمغرب، وآمل منك السيد بوعشرين أن تستوجبه حول قضيتنا الوطنية كما هرولت إلى أسيدون في قضية التطبيع.
أما بخصوص قولك إن الأمازيغ يخلطون بين حساسيتهم من الأيديولوجية القومية العربية وتحميلها مسؤولية إهمال المكون الأمازيغي وبين قضية فلسطين، مما يدفعهم إلى الارتماء في أحضان إسرائيل نكاية في القوميين. فهذا الادعاء لا يستقيم على بينة أو حجة. ومتى كان القوميون أو العرب ندا لإسرائيل حتى يرجح الأمازيغ هذه الكفة أو تلك. هذه نظرة أخرى خاطئة للذات. ومن جهة أخرى عليك أن تعلم أن الأمازيغ لا يعادون أي عرق أو فصيل ولا يرغبون في فتح معارك مع أي كان قومي أو إسلامي. فيدهم مبسوطة ويدعون شركاءهم في الوطن إلى كلمة سواء تتمثل في الاعتراف المبتادل بالمواطنة وبالوجود وبالهوية وبالشراكة المتساوية لبناء مغرب حداثي ومتنوع، وعندها لن نختلف بشأن الصهيونية كحركة عنصرية تنكل بالفلسطينيين، كما لن نختلف في مجازر نظام الأسد الذي فعل في شعبه ما لم يفعله الجيش الإسرائيلي في كل أشباه الحروب التي مضت.
أما أخطر ما تريد أن توحي به في مقالك هو ما ورد في شقه السياسي من تحذير لخطورة استخدام العنصر الأمازيغي ضمن مخطط إسرائيلي لتفتيت "العالم العربي"، سبحان الله وكأن هذا العالم موحد وغير مفتت. أية مزاعم هذه وأي قصور في النظرة وفي فهم الواقع!! وفي هذا الصدد، أريد أن أؤكد لك أن إسرائيل ليست بحاجة إلى الأمازيغي أو الكردي أو الماروني لكي يتسنى لها تفتيت العرب. فيكفي ما أتيت على ذكره أنت بنفسك، وفي ذلك تناقض فج في مقالك، بأن الجسم العربي مريض ومعتل من الأصل، وتسبح فيه فيروسات الانقسام من داخله. ثم أهل بلغ الترهل أشده في الجسم العربي إلى هذه الحدود كي تعبث فيه إسرائيل كيفما شاءت؟ وإذا تأتى لها ذلك فالعيب ليس في إسرائيل، وإنما في أولئك الذين يقولون ما لا يفعلون ويحملون شعارات من التحدي الكاذب، ويخططون بأقلامهم ترهات الأقاويل. فالأقلام النظيفة ينبغي أن تكون في الأيادي النظيفة لا في أيادي الخفافيش التي تتاجر في الظلام. ولا نريد أن نوضح الواضحات فهي من المفضحات.
ومصداقا لقول عقلائنا إذا كان المتحدث معتوها فعلى المنصت أن يتحلى بالحكمة. ذلك هو حال من يروج فيما بيننا الأكاذيب ويحاول أن يوهمنا أن منير وعمر وبوبكر هم "جزء من شيكة صهيونية، وان أسرائيل انتهت من نسجها داخل المغرب لزعزعة استقراره في أي لحظة، وأن الثلاثة ذهبوا لتلقي الأوامر والتعليمات من الصهاينة حول كيفية خلق حرب عرقية وقبلية في المغرب ... وعلى الدولة المغربية أن تتحمل مسؤولياتها". وهذا اتهام خطير ينبغي على المصرح به أن يسارع إلى طرق باب القضاء لمقاضاة هؤلاء بالاستناد على البرهان والحجة لأن في ذلك خيانة عظمى للوطن.
وإذا كان الأمر من قبيل المزايدة والمساومة فهو جريمة تقع على عاتق من أطلقها. يا ذوي الألباب لعلكم تدركون معي أنها الحماقة بعينها. ثلاثة أشخاص قد لا يكون لهم أدنى تأثير حتى على الحي الذي يسكنونه وليس في ذلك أي استصغار وإنما هو اقتذار، فبالأحرى أن يقلبوا الموازين في المغرب. إنها اللعنة التي تلاحق القوميين إلى درجة أن انتابهم الارتباك حتى أصبحوا يضربون أخماس بأسداس. فكم هي الإهانة لك مذلة أن يكون خصمك بلغ منه الانحطاط أشده. فخصم عاقل خير من صديق غبي، فما بالك إن كان خصما ينافس ذلك الحيوان في غباوته. ما أظن أن دور المخابرات قد انتهى حتى يعلم هؤلاء النوابغ من طينة السفياني ما لا تستطيع أجهزتنا الوصول إليه من مكائد ومخططات لا توجد إلا في أذهان أولئك الذين ابتلاهم الله بعمى الألوان. فاختلط عليهم الحابل بالنابل.
أيها الأستاذ المحترم، أتمنى عليك ألا يلقى هذا المقال نفس المصير الذي لقيه مقال سابق بعنوان:"ترميم معبد يهودي كي لا ننسى". فلا تسقطه ولا تقصيه رغم أننا تعودنا على ضربات الإقصاء لكننا أبينا السقوط وفضلنا الشموخ وجعلنا من جبالنا هامات لنا. فاجعل له حقا أو حيزا في صفحات جريدتك على غرار ما فعلت مع "سيون أسيدون" الذي لا يساورني أي شك أنك طلبت منه لكي يدلو بدوله المثقوب مع خالد السفياني في حملة إعلامية ضاغطة للتشهير بالقضية الأمازيغية. وكان عليك أستاذي أن تسأل عجوزك الطاعن في السن، والمتصابي يساريا، وكذلك "القطب القومي" ما موقفهما من القضية الوطنية وما رصيدهما من الخدمات التي قدماها للقضية إن كانت بالفعل تأخذ حيزا في اهتماماتهما قبل قضية التطبيع. وكم أكون لك ممتنا إن حركت فيهما ساكنا في هذا الاتجاه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق