لحسن الجيت
ردا على ما جاء في مقالك، أيها الأستاذ الجامعي رشيد الإدريسي، الذي نشر مؤخرا في "هيسبريس"، نريد اليوم أن نفتح معك ومن خلالك مع بعض حملة الفكر الإقصائي حوارا بناءا وهادئا لأننا جميعا، أبينا أم كرهنا، شركاء في هذا الوطن. ولكي يكون النقاش مثمرا في موضوع ما، لا بد أن يكون البحث فيه بحثا شموليا وموضوعيا. ومادمت أنت الباحث والأكاديمي، فمن باب الأمانة العلمية، يجب أن تكون مقاربتك هي الأخرى شمولية، ولا ينبغي التأسيس لها انطلاقا من بعض الأفكار والنزعات التي قد تعد استثناء في الحركة التاريخية لشعوب تعود جذورها إلى ما قبل الميلاد. ولذلك، ما كان عليك أن تعتد بالاستثناء لتقيم عليه الحجة، وتسمح لنفسك بتعميم الأحكام في تشويه التاريخ ككل. ففي ذلك إجحاف وانزلاق خطير في البحث الأكاديمي والعلمي.
أخي، إن المنطلقات التي اعتمدتها في تناولك لموضوع الأمازيغية لا تمث بصلة للمرتكزات التي تستند عليها القضية، فهي أكبر بكثير من تحديد المصطلحات كشعوب أصلية أو أصيلة أو متأصلة، أو أن تجعل منها قضية أسود أو أشقر أو متجعد أو انسيابي أو أن تختزلها في موروث استعماري سميته "بظهير بربري مشؤوم"!!. كل ذلك لا يرقى إلى مستوى البحث الموضوعي والنظرة العلمية والواقعية والتاريخية للأشياء. وعلى خلاف ما تدعي فإن التعريف الذي اعتمدته الأمم المتحدة في موضوع الشعوب الأصلية ينطبق على الشعب الأمازيغي باعتباره شعبا قد عانى من محاولات طمس هويته وإدماجه قصرا في منظومة عربية على حساب هويته. ولعل في ذلك نوع من التجني على القضية برمتها والقفز على الحقائق التاريخية لتركيبة ديموغرافية أبت على مدار القرون أن يطالها النسيان والذوبان، ورفضت كل المساحيق لتلوينها بألوان لا تتلائم مع نسيج خلاياها.
فالأمازيغية لا تبحث عن شرعيتها وعن هويتها في لون أو ظهير أو مصطلح، فمن الخطإ الاعتقاد ذلك أو توهيم القارئ به، فهي فكر تحرري وثقافة متجدرة في عمق التاريخ وتراث حي قائم الذات، بل إنها هوية ولغة ومن يسعى إلى غير ذلك من الباحثين أو الناشطين فهو يريد أن يضع القضية خارج سياقها الطبيعي.
كان على أستاذنا أن يحيلنا على النصوص الدستورية المغربية التي شددت وتشدد اليوم على أن المغرب بلد إسلامي لغتاه الرسميتان العربية والأمازيغية، عوض أن يحيلنا على نصوص من خارج الحدود، وليعلم أننا لا ننشد كينونتنا من جهات أجنبية، بل من تاريخنا وحضارتنا. وهذا ما يقودنا إلى القول ما إذا كان باحثنا لا يعترف بالمرجعيات المغربية التي أقرها جميع المغاربة، أو ما إذا كان ينكر من الأصل وجود العنصر الأمازيغي على هذه الأرض.
وإذا كان العكس هو ما يقصده، ونحن قد نعتقد ذلك، فهناك عدة أسئلة مدعو للإجابة عنها، من بينها:
1ـ متى كان لون البشرة هو المفرق أو الموحد للعرق؟ فالمقاربة التي تعتمد على ظواهر البشرة في تثبيت الأصول هي مقاربة عنصرية ومغالطة في حق البشرية، وليس في حق المغاربة وحدهم. ولنا في حياة البشرية ما يفنذ هذا المعيار جملة وتفصيلا. ذلك أن ما جرت العادة على تسميته بالعالم العربي ، فيه من الألوان البشرية ما لا يحصى ولا يعد: الأشقر الآتي من تركيا وأوروبا والقمحي أوالبني من الجزيرة العربية أو من بلاد فارس والزنجي من إفريقيا ، فهل جميعهم من أصل عربي!!وإذ الأمر لا يستقيم على بينة أو حجة، فكيف بالتالي يمكن للكاتب أن يغمض عينيه من دون التساؤل عن أصول هذه التركيبة المتضاربة الألوان في هذه الرقعة الجغرافية، في الوقت الذي يطلق فيه العنان للتشكيك في أصول الأمازيغ . ولعل في ذلك التحليل ما يحمل على الاعتقاد بوجود نزعة شوفينية متحاملة من منطلقات عرقية تذكر بالنزعة النازية المبنية على التفوق العرقي والتي نبذها وينبذها العالم بأسره.
وفي سياق آخر، عليك أن تعلم أستاذي أن وحدة لون البشرة لا تعني بالضرورة وحدة الهوية. فالشعب البلجيكي ذو البشرة الواحدة، يعتز بهويتين وهما: "الوالون" و "الفلامون" ويتبادلان الاعتراف بينهما بكل انسجام ووئام من دون أي تحجر أو إقصاء، كما يتمتع كل طرف بحقوقه الكاملة بالتساوي وفي إطار الوطن الواحد. فأين نحن من هؤلاء سيدي الباحث !! الحقوق الثقافية لكل طرف معترف بها ، ولغتاهما تدرسان في المدارس. وحرف "تيفيناغ" مزعج لك إلى هذا الحد!. أفهو ليس جزء من الثقافة واللغة والهوية حتى تتم محاربته ، في الوقت الذي يتم فيه الترحيب والإقبال على لغات أجنبية بدون أي تحفظ ولو كان ذلك على حساب اللغة العربية.
2 ـ أستاذي المحترم، بتناولك موضوع تضارب السحنات في البشرة، كان عليك الاستئناس بدراسات في مجال علم الجينيات لتؤكد حقيقة أو تنفيها. ومادام مقالك مبني على أحكام جاهزة غير مسنودة علميا، فاسمح لي من جهتي أن أستأنس بالأركيولوجيا أو علم الآثار الذي أثبتت نتائجه أن الأرض تتكلم أمازيغية. فعلم الآثار لا يناقش التاريخ من حيث مدوناته، بل إنه يقدم تفحيصا وتحليلا سريريا للقى أثرية بشرية كانت أو حيوانية أو حتى مواد مستعملة في الحياة اليومية لمن تعاقبوا على هذه الأرض على مدى التاريخ. ولنحيلك على مجموعة من الدراسات التي أنتجها المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث والتي تشرف عليه وزارة الثقافة، ليتبين لك أن هذه اللقى الأثرية التي تؤكد من خلال التحليل الكربوني 14 أن موقعا أثريا في جبل "إيغود"، بالقرب من مدينة آسفي يزخر بأثريات أمازيغية تعود إلى ما يقارب 160 ألف سنة أي إلى "الزمن الهستيري" كما يعرفه علماء الأثار، وليس علماء الفيسبوك.
نفس الحقيقة أكدها الموقع الأثري "تيط فطر" بالقرب من مدينة الجديدة أو ما يسمى بموقع مولاي عبدالله أمغار الذي وجدت به لقى أثرية وهي عبارة عن أشكال هندسية تعتبر من الأشكال القديمة والتي توصلت إليها المجتمعات المتطورة إلى عهد قريب في علم الهندسة. وقد حدد لها الباحثون في علم الأثار، من خلال تحليلات نووية، أنها تعود إلى الفترة "العيتيرية" أي ما يوافق 100 ألف سنة. وهذه الأشكال وأدوات أخرى لا تختلف كثيرا عن ما هو متداول عند أهل دكالة التي تعني بالأمازيغية " دو كال "أي الأرض المنخفضة. وما يمكن أن نرصده إلى حدود الآن في هذه المنطقة ـ التي اعترفت جغرافيتها بأمازيغيتها لا بلسان أهلها الذين وإن تعربوا لغة فإنهم ما زالوا أمازيغ قيما وهوية وبنية ـ هو ملازمة مصطلح "مازيغن" كتسمية للمنطقة والذي لم يكلف مدونو التاريخ أنفسهم عناء البحث عن أصل الكلمة التي اعترفت بها اليونيسكوعام 2010 تحت اسم "مزغاو"، فيما ظل يردد الكثير من المؤرخين المشتبه فيهم مصطلح "مزغان" وينسبونه إلى البرتغال، وذلك تمظهرا لهم من حيث عمران المدينة كمدينة برتغالية، في حين أنها في الأصل مدينة أمازيغية. وما سقناه من أسماء لأماكن أثرية ما هو إلا على سبيل المثال ، فالأرض كلها من وديان وجبال وسهول وأحراش وصحراء وفي كل "تمزغا" على امتداد شمال إفريقيا لا تنطق إلا بالأمازيغية، وحبلى بإرث أمازيغي يكفي نبش سطحه ليشعك بنوره هذا الموروث والتراث الإنساني.
أخي الإدريسي، واستنادا إلى ما تحمله من اسم، قد أخجل من نفسي أن أذكرك، إن نسيت أو تناسيت، بأنك من حفذة الأمازيغية كنزة الأوربية زوجة مولاي ادريس الأول. وإن انتابك شك في ذلك، أنصحك بالغوص في جذور سلالتك فسوف تجد ما يسرك. وإذا اقتضت الضرورة، فعليك بإجراء بعض الفحوصات الجينية لقطع الشك باليقين حتى تقف على أصولك الأمازيغية . ومن المؤرخين والباحثين ما يشير إلى هذه الحقيقة، وهي:
if you scratch a morrocan you find him a berber وبالتالي لا مجال للدخول في متاهات فكرية، مثلما فعلت، من قبيل العرب المتمزغون أو الأمازيغ المعربون. وإن التبس عليكم الأمر، فالإشكالية أصلا ليست في من تعرب أو تمزغ، وإنما المطلوب هو الإقرار أولا بالهوية واللغة الأمازيغية على هذه الأرض كتراث حضاري لجميع المغاربة أيا كانت أصولهم العرقية، وثانيا ترجمة هذا الإقرار على أرض الواقع في مختلف مناحي الحياة العامة.
3ـ كيف يحق للكاتب أ ن يستسيغ في كتابته ما أشار إليه في مقاله "بالمغرب العربي"، وكان عليه ـ مثلما كان مغاليا في حرصه على التدقيق في الاصطلاحات المتصلة بالأمازيغية ـ أن يستعيض عن ذلك "بالمغرب الكبير"، وهو الاصطلاح الذي يجسد الواقع مادام سكان هذا المغرب الكبير ليسوا كلهم عربا. وليس في هذه التسمية أي إقصاء للشركاء في الأوطان المكونة لها بل هي حاضنة لتلك المكونات، على عكس ما تحمله تسمية "المغرب العربي" من عنصرية وإقصاء. كما لا يسعنا في هذا الصدد إلا أن نحيل الأستاذ المحترم إلى ديباجة دستور المملكة لعام 2011 التي تنص صراحة أن "المغرب دولة ذات سيادة عضو في المغرب الكبير .... ويعمل من أجل بناء الوحدة المغاربية". فمن أين نزل عليكم الوحي حتى تخرجوا عن مقتضيات الدستور، ما لم يكن وهمكم بالعروبة هو الذي جعلكم أن تضلوا السبيل وتزيغوا عن جادة الصواب.
4ـ وعن ما ورد في مقالك بخصوص ما سميته "بالظهير البربري" وأضفت إليه صفة "المشؤوم"، أستأذنكم القول إن تسميته الرسمية ليست على الإطلاق بالظهير البربري كما تعتقد وكما يزعم أولئك الذين سبقوك، وسارعت إلى الأخذ عنهم هذا الاصطلاح، وأنت الباحث!، من دون أن تكلف نفسك العناء وتمحص النظر في هذه الوثيقة. ولتعلم، والكلام لك ولغيرك، أن الإسم الرسمي هو "ظهير 16 ماي 1930". وصفة "البربري " التي أطلقتها عليه هي من نسج خيال ما سمي آنذاك بزعماء "الحركة الوطنية". أما من حيث المضمون فهو "ظهير منظم للقضاء في المناطق البربرية على أساس الأعراف الأمازيغية التي لا توجد فيها محاكم مكلفة بتطبيق القواعد الشرعية". ومن هنا يتضح أن الظهير يعتمد في تطبيقه على مبدإ الترابية وليس الشخصية أي أن القضاء العرفي يطبق على كل مخالف، عربي أو يهودي أو أمازيغي، ارتكب مخالفته في المناطق البربرية بغض النظر عن عرقه، كما لا تطبق مقتضيات هذا الظهير على الأمازيغ المتواجدين في المناطق الناطقة بالعربية. وهو بذلك ظهير لا يعني الأمازيغ بل المناطق التي تعتمد العرف في حل المنازعات، ومن هذا المنطلق فهو لا يدعو إلى التفرقة بين المغاربة. فالتفسير الذي أعطي لذلك الظهير هو كذبة ومغالطة في حق التاريخ.
ومن جهة أخرى، فإن أستاذنا الباحث يصف هذا الظهير "بالمشؤوم"، ونسي أنه ظهير يحمل بداخله الطابع الشريف لجلالة المغفور له محمد الخامس، ولم يوقع عليه جلالته إلا لأنه يراعي خصوصية عادات مواطنيه في تلك المناطق التي تعتمد العرف في فض النزاعات.
5ـ سيدي ، لماذا ترون في مطالبة الأمازيغ بحقوقهم ما يقوض النسيج الوطني وبلقنة المغرب. فما هذه الأحكام المجانية التي لا يراد بها سوى تكميم الأفواه واستهداف هذه المكون المغربي من بداية الاستقلال إلى عهد قريب. وما زالت الأطروحات الإقصائية ماضية في حملتها المسعورة ضد كل ما هو أمازيعي. فكان عليك كأكاديمي ألا تسقط في هذه المنزلقات السياسوية وتخدم أطروحات مناهضة للتعدد الذي أقره دستور المملكة، والذي هو سمة المجتمع المغربي، وفيه من القوة والمناعة ما يحصن البلد من أي سوء. وليعلم أستاذي أن خطر بلقنة المغرب لا يكمن فيما تدعي، بل في إقصاء الغير وعدم الاعتراف بوجوده كشريك لا حق له في هذا الوطن، ثقافة واقتصادا ولغة وهوية. وحينما يطالب الأمازيغي بتأكيد هويته وأصوله قد ينعت بالانفصالي، فحذاري من هكذا خطاب فيه من الخطورة لا نعلم ما مدى تداعياتها على قضيتنا الوطنية.
يبدو أنك حينما أعددت العدة في مقالك لم يكن همك سوى التحامل على القضية والبحث عن أقصر السبل في الوصول إلى كيفية الإجهاز على الحقوق الأمازيغية، معتمدا في ذلك على النزعة المتطرفة. مما جعل مقالك يبتعد عن الواقع وعن الموضوعية وعن التاريخ. والدليل على ذلك، حينما أفرغت ما في جعبتك كان قصدك هو ترك الانطباع السيء لدى القارئ عن القضية، في الوقت الذي لم تجرء فيه على اتخاذ موقف واضح، فبقي مقالك معلقا لكي تبقي، في اعتقادك، على الأمازيغية محنطة. وهذا وهم لا يجد تفسيره إلا في العقول التي يعششها فيها الفكر القومي والظلامي. وكان عليك أن تحدد الموقف من مدى شرعية المطالب الأمازيغية ومن مدى شرعية وجودها وهويتها، وهل هي هوية عربية أم إفريقية أم أمازيغية أم لا أصل لها أم لقيطة ملقاة على قارعة التاريخ، ومن أين وكيف أتت وما مآلها وما مصيرها. وإذا لم يكن الأمازيغ هم السكان الأصليون لهذا البلد، فمن يا ترى في نظرك قد يكون.
فأنت الأكاديمي والباحث ألم يكفيك ما حصل من تشويه للتاريخ وطمس للهوية من قبل رجال السياسة حتى يتنكر الأكاديميون هم أيضا لحقائق ساطعة ومن دون أن يقدموا لنا دليلا ما إذا كان المغرب أرضا خلاء. فعذرا ليس من اختصاصي أن أعلمك منهجية البحث التي يفترض أن تكون فيها أكثر مني دراية. ومن أبجديات هذا البحث أن يخرج الباحث باستنتاج وموقف لا أن يترك الحبل على الغارب. واتمنى أن يكون ذلك عيبا في التحليل وليس عيبا في الموقف.
كما أتمنى عليك، وأنتم الباحث والمدرس، أن تنهض بوظيفتك النبيلة في تربية الأجيال على الإقرار بالاختلاف والاعتراف بالآخر حتى يعترف الآخر بكم لأن في ذلك التنوع ما يمكن بلدنا من مقومات الاستمرار في الوجود وفي الإبداع وفي التفنن بالحياة. فعذرا سيدي ولك مني كل التوفيق في رحاب الجامعة على المحبة والخير.
ejjitlah11@hotmail.fr
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق