جاء عرض شريط أبي زيد المقرئ الإدريسي مطابقا لسياقات عدة، يعيشها ملف الامازيغية الذي ظل يراوح مكانه. مما يتطلب جهودا مضنية في النهوض به.
فالبرلمان المغربي على مواعيد غير قابلة لتأجيل مناقشة آليات تنزيل الدستور في شق تفعيل أوراش اقتصادية وسياسية وثقافية كالامازيغية، والإجابة عن كثير من الإشكالات.
وفي ذات السياق يمكن الإشارة إلى ما من شأنه أن يثيره الاحتفاء المتميز باليوم العالمي للغة العربية من طرف ائتلاف وطني ضم أطياف فكرية وسياسية عدة. ففي مؤتمر يمكن نعته برفيع المستوى، حضرت شخصيات عمومية وازنة، شكلت دعما قويا للمبادرة.
وقبل هذا وذاك؛ ينبغي استحضار انعكاسات الرد العنيف للشارع المغربي على مذكرة "تدريج" التعليم المغربي. والأكيد أنه أثناء الحديث عن المذكرة، لا يمكن أن نغفل المساهمة الفاعلة لصاحب النكتة في التدافع الذي أثارته، وانفراده بنقل تفاعلاتها عبر الإعلام الدولي إلى الخارج.
وبمناسبة تأمل لحظة إثارة النكتة، يمكن قراءة رسائل الحدث في اتجاهات وأبعاد تتجاوز المقرئ الإدريسي والجمعيات التي شكلت الطرف الظاهر في القضية منها:
يتمثل الأول في محاولة التيار "الامازيغي" المؤدلج، والبعيد عن الشأن اللغوي الاستمرار في الظهور، واثبات شرعيته لخدمة أجندات عدة. وقصد تحقيق هذا الهدف لابد له من اصطناع حادث في مستوى رفيع، يفي بغرض إيصال الصوت إلى المخططين القائمين على شأن تدبير حقل الامازيغية، ومحاولة إعطاء الملف منحى معين.
يتجلى الثاني في الاتجاه الذي تم اختياره، وهو الصورة والفيديو، الذي يمكن أن يعمم على كل الشرائح، ودون تكاليف وبسرعة فائقة، خصوصا الفئات غير المتعلمة، والشديدة الحساسية اتجاه الهوية.
أما الثالث فيتمثل في رغبة سرقة الانتشاء الذي حازته المؤسسات التي تعنى باللغة العربية، وفرملة ديناميكيتها، وثنيها عن التقدم نحو استيعاب ضروريات المرحلة، والمتمثلة في دعم الامازيغية بنفس قوة دعم العربية، والسعي بنفس الرؤية في التمكين لهما في المدرسة والصحافة والإعلام والفن...
أما البعد الأخير، فيتجلى في محاولات إقصاء التيارات التي ناهضت خطة "تلهيج" التعليم، وإبعادها عن تدبير ملف الامازيغية ما أمكن. ولأجل خدمة ذات الهدف اختار القائمون وراء إثارة النكتة حيلة تنفير الامازيغ من أعلام اللغة العربية بالمغرب، واصطناع الحواجز النفسية بينهم واستعدائهم عليهم.
على هذا الأساس، وقصد المزيد من المتاجرة بالامازيغية، لم يكن اختيار صاحب النكتة صدفة، وإنما يعد أمرا جد مدروس، حاول به محركو الملف ركوب المجتمع المدني في تصوير المقرئ الإدريسي عدوا للامازيغية. وذلك قصد تأبيد احتكار سماسرة الايدولوجيا لملف النهوض بمكون اللغة والثقافة الامازيغية، واستدامة الاقتيات عليه.
*باحث في العلوم الإنسانية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق