بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 18 نوفمبر 2013

تصور الدين بلا عقل وعقل بلا دين. ممكن أم إنه مستحيل؟

تصور الدين بلا عقل وعقل بلا دين. ممكن أم إنه مستحيل؟

مفهوم النقد، هو القيام بمحاولات لغاية التمييز بين الخطأ والصواب. وأصله العربي تحديدا يعود إلى المعروفين بتمحيص النقود المعدنية التي طالما تعرضت للتزييف. مما يعني أنه عملية يستفيد منها كل من البائع والمشتري. فالمشتري يقدم النقود، والبائع يتلقاها، فتكون عليه الاستعانة بالناقد متى خامرته الشكوك في عدم سلامة ما تلقاه من أي تزييف محتمل. ومن هنا جاء الكلام عن النقد الأدبي، غير أن بابه اتسع للحديث لاحقا عن بقية أنواع النقد المعروفة. وهو كباب له أقفاله. ولهذه الأقفال مفاتيح، من ضمنها كمدخل أساسي، قراءة المكتوب قراءة مركزة لاستيعاب مضمونه. فضلا عن كون النقد يقتضي أسلوبا يراعي فيه الناقد ضوابط النحو واللغة والوضوح، بعيدا عن أي التباس وعن أي تدليس. فأغلاط نحوية كثيرة وجدتها ضمن الردود التي تنصب على مقالاتي (والنقد صحي مطلوب). غير أن وقتي لا يسمح لي بالرد على تلك الأغلاط التي سوف يشغل ردي عليها أزيد من بضعة سطور. خاصة وأن الردود متعددة. إضافة إلى أن المآخذ ينبغي أن تنصب على أفكار في السياق الذي وردت فيه.
فالموضوع الذي تناولت فيه العلاقة بين المعتقدات والعقل، لا يحوي فقط حديثي عن المحرمات العشر وما إليها للتدليل على أن الفتوحات العلمية تؤيد الدين، كي يحيل بعضهم انتباهي إلى أن هذا المعيار يلغي من حساب صاحبه نسبية العقول التي قد تخطئ، ولو باعتمادها على التجارب المخبرية، فإن وافقت البحوث العلمية القرآن على المراحل التي يمر بها الجنين لغاية ما يخرج من بطن أمه، ثم حصل أن تراجع العلم لاحقا عما أقره، كنا أمام حيرة.
نصدق القرآن أم نصدق العلم؟ أم نكذبهما معا في الآن ذاته؟ فلنبتعد إذن عن ربط آيات قرآنية بما يدور حولها داخل المختبرات التجريبية – كما قال المعترض – غير أن هدفي من سوق أكثر من مثال للقول بأن الدين على حق فيما أقره وأكد عليه. لم يكن هو تأييده بأدلة علمية تجريبية. فقد تم تأييده قبل التقدم العلمي الحالي بقرون. وإلا ما تأتى له أن يقنع ملايين البشر باعتناقه، ومن بينهم مفكرون كبار في عصرنا الحاضر. فهل هذا يعني أن ملايين معتنقيه بلداء أغبياء؟ وأن خصوم الدين الذين يريدون تجريده من العقل، هم وحدهم العقلاء الأذكياء؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأين نخفي المعتزلة الذين دافعوا عن مبادئهم دون أن يزعموا أن المعتقدات أبعد ما يكون فهمها عن العقل؟ أو ليسوا مسلمين مخلصين معبرين عما يرونه قادرا على إبعاد أي تصور لشريك مع الله، حتى ولو تمثل في صفاته إلى حد أنهم قالوا: قادر بذاته. مريد بذاته. عالم بذاته. لا بصفات زائدة عليها. بحيث إنهم وقفوا في وجه المتكلمين من اليهود والنصارى. وفي وجه المجسمة والمشبهة الذين لا يعطون أي اعتبار لقوله تعالى: "ليس كمثله شيء". دون أن ننسى الإشارة هنا إلى خلافنا الشديد مع المعتزلة الذين يجمعنا بهم إيمان قوي بكل ما ورد في كتاب الله، وما صح وروده عن رسول الله. فالزمخشري المعتزلي المذهب، يعرف ب"جار الله"! كما أشرنا إلى ما يعنيه هذا الإسم قبل الآن.
إن ما نريد البرهنة على صحته، هو أن الإيمان الصادق، لا يفترض المقارنة علميا بين ما ورد في القرآن وفي الأحاديث النبوية الشريفة، وبين ما عليه الواقع، أو بين ما سوف يكون عليه. فقد ورد في النظم الكريم ذكر للذرة ست مرات. منها قوله تعالى: "قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله. لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض"! والذرة للتذكير وردت في فلسفة الإغريق وفي فلسفة الهنود، وعند الفلاسفة العرب ومتكلمي الإسلام.
وعند علماء القرن العشرين الذين تحدثوا عن تركيبها وأقدارها ومكوناتها ووزنها وإشعاعها. مما أدى في النهاية إلى الانفلاق النووي وصنع القنبلة الذرية.
ولكن الغريب في الأمر، هو ما كتبه جون أونيل، المحرر العلمي الجديد في صحيفة "نيويورك هيرالد تربيون" في كتاب أصدره عن الذرة في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1945م والحرب العالمية الثانية قائمة على أشدها بعنوان: "ALMIGHTY ATOM". سماه القصة الحقيقية للهندسة الذرية. (وبين أيدينا النص الأنجليزي الذي نحن على استعداد لنشره إن رغب أي قارء في ذلك). وهذه ترجمة النص: "لقد كان العالم الروماني أجذب في هذا المجال الفكري، ولم يضف سوى النذر اليسير لما وصله من حضارة الإغريق.
إن إحدى النقط المتلألئة في القرون الوسطى تأتي من العالم الإسلامي، حيث نجد ما سطره قلم الصوفي علي أبو الحسن – صهر محمد – الذي كتب يقول: "إذا فلقت الذرة – أي ذرة – تجد في قلبها شمسا".
مما يدل على أن بصيرته الصافية قد استطاعت أن تلمح حقيقة النظام الشمسي الحديث في الذرة. وليراجع من أراد الوقوف على مقولة علي بن أبي طالب كتاب "نهج البلاغة".
وأغرب مما سبق، خرج علينا الصوفي فريد الدين العطار بقول عجيب يؤكد مقالة علي بن أبي طالب في الذرة ويزيدها إيضاحا فيقول: "الذرة فيها الشمس... وإن شققت ذرة وجدت فيها عالما. وكل ذرات العالم في عمل لا تعطيل فيه"!
وما قاله فريد الدين العطار هنا يحوي عددا من الحقائق العلمية التي لا تتعلق بالذرة وما فيها فقط، بل بترابطها في تكوين الجزئيات.
ومع ذلك فإن صحة الإيمان وصدقه، لا تفترض المقارنة علميا بين ما هو وارد في الكتاب والسنة، وبين ما عليه الواقع، أو بين ما سوف يكون عليه. وأعتقد جازما بأن منتقدي جوانب من مقالاتي الأخيرة سوف لن يخضعوا بسهولة لانتقدات تصيب قناعاتهم في الصميم، فقد دفعتهم الرغبة الجامحة إلى حماية ما اختاروه من الأفكار والآراء والاتجاهات السياسية والأيديولوجية إلى التواطؤ الصدفي عبر تكوين جبهة موحدة لاتخاذ موقف مشترك محوره رفض وجود أية علاقة بين الدين والعقل. أو بين المعتقدات حصريا وبينه. لكن ما الذي لديهم لمؤاخذة من أكدوا قديما وجود العلاقة تلك؟ لن نحيلهم هنا على العلماء والمحدثين والفقهاء والأصوليين، إنما نحيلهم على المتكلمين والفلاسفة المسلمين، نظير ابن رشد الذي ترك لنا كتابا في موضوع الجدل المحتدم بيننا وبين منتقدينا تحت عنوان "فصل المقال فيما بين الفلسلفة والشريعة من الاتصال". فعنده أن الفلسفة "نظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع". ثم يقرر بأن الشرع قد دعا إلى "اعتبار الموجودات بالعقل، وتطلب معرفتها به. وذلك ظاهر في غير ما آية من كتاب الله تبارك وتعالى مثل قوله سبحانه: "فاعتبروا يا أولي الأبصار". وهذا نص على وجوب استعمال القياس النقلي أو العقلي والشرعي معا". وهو ما نحن ملتزمون به.
ربما استغرب القراء عنوان المقالة القاضي بعدم القدرة على تصور عقل بلا دين! في مقابل تصور دين بلا عقل! فإن نحن رفضنا هذه المقولة الأخيرة، ونحن وراء فلاسفة المسلمين ومتكلميهم بدون ما تمييز بين المعتزلة والأشاعرة. فإننا نرفض تصور عقل بلا دين. فإن كان العقل "قوة النفس التي بها يحصل تصور المعاني، وتأليف القضايا والأقيسة" فإننا ننظر إليه كمحتوى وكوظيفة. فإن كانت محتوياته مدركات أو معلومات راسخة في الذاكرة إلى حين استدعائها قصد توظيفها في مناسبات مختلفة، فإن من ضمنها قناعات صاحبها القائمة في ذهنه. وهذه القناعات يحيطها صاحبها تلقائيا بأردية من العواطف والمشاعر، حتى لا يقال: إن الدين لا علاقة له بالعاطفة. وحتى لا يقال: إنه لا يقوم إلا على أساس هذه الأخيرة، لا على العقل.
وسؤالنا الأساسي هنا هو: هل المعتقدات الدينية على الخصوص، والدين كله على العموم، عبارة عن قناعات أم لا؟ في مقال لي سابق، قدمت مفهوم الإيمان لدى جماعة أهل السنة فقلت: هو القول باللسان، والتصديق بالقلب، والعمل بالجوارح. وما يؤمن به العلمانيون ويدافعون عنه، هل نصفه بقناعات أو باختيارات، أو بما يشاؤون هم من أوصاف؟
فإن صح أن كل ما ذكر بخصوصهم لا يشكل أكثر من قناعاتهم التي تم لهم اختيارها. فإن قناعاتهم تلك، ينطبق عليها ما انطبق على الإيمان الذي هو بدوره قناعات! فصح القول: القناعات العلمانية قول باللسان، وتصديق بالقلب! وعمل بالجوارح!!! إنهم كعلمانيين، يصرحون في المنتديات بقناعاتهم التي يحملونها. ثم إنهم ينطقون باللسان، ويكتبون بالقلم ما عنه يدافعون، وما يدافعون عنه يسكن قلوبهم كما يسكن عقولهم بدون ما لف ولا دوران. أما تحركاتهم لتحويل قناعاتهم إلى تطبيقات عملية، فالتاريخ المعاصر شاهد صادق على ما ندعيه. مع الإشارة إلى أن إخفاقاتهم المفضوحة، حركت الشعوب للإطاحة بالحكام الذين هم وراء الإخفاقات المحسوسة تلك! وهم معززون بالفكر الظلامي السلطوي والحزبي!
فصح عندنا إذن كيف أنه لا وجود لدين بدون عقل. كما صح عندنا أنه لا وجود لعقل بدون دين. ثم صح عندنا أن الدين قناعات. وأن ما يتشبث به خصومه قناعات. بحيث إننا أمام نوعين من القناعات التي لا يمكن جحد وجودها: قناعات دينية وقناعات علمانية. فكما أن أصحاب الأولى أحرار في اعتناقها. فإن أصحاب الثانية أحرار في التعلق بها (لكم دينكم (= قناعاتكم)، ولي دين (= قناعاتنا). ولكل الطرفين حق الدفاع عن قناعاته. والدفاع يقتضي تقديم البراهين في الماضي وفي الحاضر وفي الآتي. فإن استشهد المؤمنون بآيات الله الكونية، فلكونهم يستجيبون لأمر ربهم باستخدام العقول في النظر إلى كل شيء. فلو قرأنا الحديث النبوي القائل: "لله تعالى على كل مسلم حق أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما". وقرأنا قوله ص: "إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك". ثم قوله عليه السلام: "تخللوا فإنه نظافة، والنظافة تدعو إلى الإيمان، والإيمان يدعو إلى الجنة". فإننا لا نشك لحظة في كون ما تمت مخاطبتنا به، لم يصدر عن عالم متخصص في زمن لم يكن اهتمام الناس فيه بالطب الوقائي قائما. لكن "لماذا حث محمد ص أمته على النظافة والطهارة عدة مرات في الأسبوع، بل عدة مرات في اليوم؟ ويفهم الإنسان اليوم أن الجراثيم الموجودة في الهواء تلصق به في الأماكن العارية من جسمه: وجهه.رأسه. يديه. رجليه. وهي كلها تتسرب مع تنفسه في أنفه وفمه، وتتعرض بعض الأعضاء أكثر من غيرها للتلوث كاليدين والرجلين اللذين يلمسان عدة أشياء. التراب الملوث والبول والغائط. فأوجب الشارع غسلهما ثلاث مرات في كل وضوء. أي خمسة عشرة مرة في اليوم. أما الأنف الذي يحبس في شعره عدة جراثيم تتسرب فيه مع التنفس، فقد دعا إلى غسله بالاستنشاق والاستنتار، أي إدخال الماء عدة مرات في الأنف، قصد غسل ذلك الشعر في حركات قوية لإزالة ما علق به من جراثيم. وغسل الفم بالمضمضة عدة مرات، وإزالة ما لصق بالأسنان من الجراثيم بواسطة احتكاك الأصابع بها. ورغم أن الغسل في الوضوء لا يترك أي مكان معرض للهواء إلا وينظفه. نلاحظ أنه لا يشمل غسل العينين مثلا، وداخل الأذن والحلق رغم أن الجراثيم السابحة في الهواء تتسرب بسهولة إلى هذه الأماكن، سواء مباشرة أو أثناء عملية التنفس. أهذه غفلة أو نسيان؟ حاشا الله. إن الطب الحديث والفزيولوجيا قد فسرت لنا كيف أن الجراثيم التي تتسرب من الخارج إلى هذه الأماكن الثلاثة، تهلك في الغالب مباشرة، ولا يحتاج إيصال الماء لإزالتها في هذه الأماكن".
والبقية يجدها من يريد الاهتمام بما نقلناه عن كتاب "القرآن والطب الحديث" لمؤلفه الدكتور إدريس بنيوسف (دكتور في الطب... مجاز في الحقوق... أستاذ سابق للرياضيات).
هذا ولا نتصور الادعاء القائل بأن هذا الدكتور المدافع عن دينه بالعلم محروم من العقل والذكاء والنبوغ في ميدان اختصاصه. وأنه إنما يتناول الآيات والأحاديث من خلال عاطفته! لأن الوقائع التي سجلها كتابه القيم، تكذب أي زعم من هذا الذي سوف يقال. فتأكذ لنا أن القرآن – كما قال أستاذنا الراحل محمد عابد الجابري – خطاب عقل. وكلنا على علم بكونه ص وصف بالشاعر، وبالساحر، وبالمجنون! وبما شئنا من صفات تدل عند من وصفوه بها على أنه غير عاقل بالمرة. فتم تكذيب كل ذلك. وصح أنه إنما يبلغ رسالة ربه لمن يعقلون عن الله خطابه. ومن هنا جاء قوله ص: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ. وعن النائم حتى يستيقظ. وعن الصبي حتى يحتلم".
فليتأكد الغيورون إذن على العلمانية من كون قناعاتنا الدينية تتعزز بسبر أغوار الآيات الإلهية التي قال ربنا بخصوصها حتى لا يقلل من شأنها قط: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق". في إشارة منه سبحانه إلى أن هناك آيات صعب إدراك معانيها والوحي ينزل حينها على نبيه ص. لكن معانيها الغامضة في زمن البعثة النبوية، سوف يصبح بعضها مفهوما في المقبل من القرون، نظير الذرة التي وقفنا على ما ورد عنها في القرآن، وعلى ما ورد عنها بلسان علي بن أبي طالب، وعلى ما ورد عنها بلسان فريد الدين العطار.
فصح أننا كمؤمنين نصدق كل ما ورد في النظم الكريم. إذ ليس من باب الإيمان الخالص عندنا أن ننكر كلام جبريل، وكلام الهدهد، وكلام النمل، وكلام أي مخلوق آخر ورد في القرآن أنه يتكلم. وهذه قناعاتنا، فمن شاء فليؤمن بها مثلنا، ومن شاء فليكفر بها وهو حر طليق. مع أنه عليه الرجوع إلى الفتوحات العلمية التي تتحدث تجريبيا عن وجود لغة التواصل بين أجناس مختلفة من الحياوانات والحيتان والطيور. ومثال ما أردنا إحالة غيرنا عليه: التواصل بين القردة، والدلافين، والنحل. إلى حد الجزم القاطع بأنه لا وجود لمخلوقات لا تتواصل فيما بينها بلغة نحن لا نعرفها. وما لا نعرفه نحن يعرفه الله عز وجل اعتمادا منا على الإيمان به وبما جاء في كتابه وبما صح عن رسوله ص!!!

ليست هناك تعليقات: