بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 10 فبراير 2013

دم بلعيد وقميص عثمان



علي أنوزلا
تدفع ردود الفعل التي خلفها اغتيال المعارض التونسي اليساري شكري بلعيد في المغرب إلى التساؤل الجدي عما إذا كان السيناريو التونسي قابلا للتكرار في دول المنطقة بما فيها المغرب.
فالمخاوف المعبر عنها في التصريحات والبيانات التي سارعت إلى إلقاء التهمة على التيارات الإسلامية بدون تمييز وحتى قبل فتح أي تحقيق، والأصوات التي ارتفعت تحذر من خطر "العنف الإسلامي" الداهم، قد يكون لها كلها ما يفسرها على المستوى النظري، لكن ليس لها ما يبررها من وقائع على الأرض سوى "الاستغلال" السياسوي لدم الجريمة من أجل إعادة تعميد خطاباتها الاستئصالية التي أربكتها أحداث الربيع الديمقراطي.
ثمة تخوف لدى بعض الأصوات المنددة بجريمة شكري بلعيد من أن تطال نفس يد الغدر رموزا وأصواتا تشبه صوت بلعيد في دول المنطقة بما فيها المغرب. وهناك من بدأ من الآن يرسم ملامح الضحية المقبلة بناء على افتراض جاهز أو حكم مسبق بأن الضحية مفترض، والجاني موجود ومعروف وبالتالي فالإدانة جاهزة. وأصحاب هذا التخوف قسمان، قسم من اليسار والعلمانيين والليبراليين ممن لايخفون اختلافهم الإيديولوجي مع التيارات الإسلامية، وهؤلاء لهم ما يبرر مخاوفهم لأنهم مروا بمراحل صراع مرير مع خصومهم الإسلاميين تخللها العنف المتبادل بين الطرفين. وقسم آخر ممن يريدون أن يستغلوا دم الجريمة لتوظيفه في صراعهم "السياسوي" ليس فقط مع "خصومهم" الإسلاميين، وإنما لـ "ترهيب" المواطن العادي من كل ما هو إسلامي لقطع الطريق على اختيارات الأغلبية المعبر عنها في دول الربيع الديمقراطي، والتي قادت أحزابا إسلامية إلى مراكز السلطة.
هذا الإتفاق المسبق على توجيه الإتهام إلى نفس المتهم حتى قبل أن يفتح أي تحقيق، والاتفاق، بغير كثير من الوعي، بين كل الذين سارعوا إلى توجيه الإتهام إلى نفس الجهة، هو الذي يجب أن يدفعنا إلى طرح الأسئلة الواقعية إذا ما كان الهدف بصدق هو الكشف عن الحقيقة في هذه الجريمة، لأن هناك من يسعى اليوم إلى خلط الأوراق حتى تكون الضحية الثانية بعد بلعيد هي "الحقيقة"، حقيقة اغتياله.
في علم الإجرام، يبدأ السؤال الجوهري الذي يقود إلى معرفة الجاني من البحث عن المستفيذ من الجريمة. وهنا لا بد من العودة إلى مسرح الجريمة الحالية الذي هو تونس. ولوضع الجريمة في سياقها الطبيعي تجب العودة إلى ما قبل إندلاع الثورة التونسية التي أدت إلى حالة "الإنفلات" الأمني الذي ظل مستمرا رغم مرور سنتين على إندلاع الثورة، ووجود حكومة إئتلاف منتخبة ديمقراطيا. فالتاريخ "الفعلي" لهذه الجريمة بدأ حتى من قبل ساعة التفكير فيها. فقبل الثورة التونسية كان شكري بلعيد مناضلا يساريا معارضا لنظام الديكتاتور الهارب زين العابدين بنعلي، ورغم صدق وحدة معارضته لم يكن النظام "الذي أسقط" (هذا إذا كان فعلا قد أسقط)، يرى فيه خطرا داهما يهدد وجوده، لذلك لم يكن متوقعا أن يلجأ إلى إغتياله لإخماذ صوت معارضته، بل كان يعرف كيف يستغل وجود مثل هذه الأصوات المعارضة والسلمية لتسويق صورته في الخارج ولتبرير "حربه" الشرسة ضد خصمه الوجودي الذي كان ممثلا في "البعبع" الإسلامي بكل أطيافه. وعندما اندلعت المظاهرات الشعبية التي سرعت هروب رأس النظام لم يعرف الناس حتى الآن ما الذي حدث. ومازال الباحثون حائرين في تسمية ما حدث بأنه ثورة شعبية أم مجرد هبة اجتماعية أم فقط إنقلاب من داخل السلطة على رأسها، أو ربما كل هذه العوامل انصهرت في لحظة تاريخية فارقة وصنعت ما سمي بعد ذلك بـ "الربيع الديمقراطي" الذي هبت رياحه على باقي دول المنطقة بما فيها المغرب. وعندما بدأت الأمور بالإستتباب، ومع المسافة الزمنية الفاصلة ما بين لحظة قيام "الثورة" وساعة اغتيال شكري بلعيد، جرت مياه كثيرة تحت الجسر التونسي والعربي عموما تدفعها وتتقاذفها تيارات خارجية قوية جلبت معها الكثير من الطمي الذي بات يعرقل جريان النهر ويغذي الطحالب التي نبتت على ضفافه في غفلة من الجميع. جرت انتخابات ديمقراطية في تونس نوه العالم كله بنزاهتها، أعطت فوزا ساطعا للتيار الإسلامي، ورغم مرور أكثر من سنة على وصول أول حكومة منتخبة إلى تولي مقاليد تدبير الشأن العام في تونس، إلا أن مقاليد السلطة الحقيقية ظلت غير متحكم فيها. فخلال المرحلة الانتقالية تعاقبت على قيادة الحكومات السابقة شخصيات من النظام المفروض أن الثورة أسقطته. في البداية ظل محمد الغنوشي الذي كان آخر رئيس حكومة عند بنعلي، متمسكا بكرسيه بالقصبة (مقر رآسة الحكومة التونسية) رغم المظاهرات الشعبية التي كانت تخرج يوميا للمطالبة برحيله، وبعد ذلك "جيئ" برجل معروف بولائه للسلطة التقليدية داخل الدولة التونسية العميقة لأنه ترعرع داخل دهاليزها، هو الباجي قائد السبسي، ليقود مرحلة حرجة من تاريخ الانتقال الديمقراطي داخل أول بلد يشهد ثورة عربية في العصر الحديث. وليس غريبا أن كل القرارات "الحاسمة" اتخذت في عهد هذين الرجلين: المحاكمات "الصورية" للمتورطين في قتل شهداء الثورة، والمحاكمات "الشكلية" لرموز النظام السابق الهاربين وعلى رأسهم الرئيس المخلوع. و"تصفية" الكثير من ملفات الفساد التي أفرغت من كل أدلة إثبات عند اللجوء إلى كل محاسبة، أو بكل بساطة اختفت ولم يعد يوجد لها أي أثر. وتم الإعلان عن "حل" أجهزة "الأمن السياسي"، الذي اتضح فيما بعد أنه كان فقط نوعا من إعادة انتشار أفراد هذه الأجهزة مع الحفاظ على المنظومة التي مازالت تعمل بنشاط، كما كان الأمر معمولا به في عهد الرئيس الهارب وربما بفعالية أحسن لأنها تعلمت الدرس مما حدث. ولعل من المفارقات التي يجب أن ينتبه إليها المراقب الحذر اليوم قبل إصدار أي أحكام، هو أن من بين أكثر الأصوات التي ترتفع الآن داخل الشارع التونسي لتحميل مسؤولية جريمة اغتيال المعارض اليساري إلى الإسلاميين، وإلى حزب "النهضة" بالدرجة الأولى، هو تيار ما يسمى بـ "نداء تونس"، الذي أسسه الباجي قائد السبسي، بعد خروجه من مقر رآسة الحكومة بالقصبة. فهذا "الحزب" الذي يضم في صفوفه من يسميهم التونسيون بـ "فلول" النظام المفترض أن الشعب خلعه، استطاع أن يفرض نفسه بسرعة كـ "قوة" سياسية لا يمكن تجاوزها، يملك الوسائل المادية التي لا تتوفر لأي حزب سياسي آخر، ويتحكم في وسائل الإعلام التي مازالت مخترقة أو مملوكة من طرف محسوبين أو بكل بساطة "صنيعة" نظام الرئيس المخلوع. هذا الإعلام هو الذي غذى ومازال يغذي الأجواء التي مهدت للجريمة ويستغلها اليوم لتأجيج المشاعر ضد الحكومة التي يقودها الإسلاميون من خلال تحميلهم مسؤولية الجريمة لوحدهم دون غيرهم.
فمن يتابع اليوم الإعلام التونسي، خاصة منه المرئي، سيلفت انتباهه كونه لم يركز على التحقيق لمعرفة الجاني، وإنما فتح شاشاته للسياسيين بما فيهم المحسوبين على "نداء تونس" للمطالبة بإسقاط الحكومة المنتخبة والدعوة إلى حكومة "إئتلاف وطني" تعيدهم إلى السلطة، وحل "المجلس التأسيسي" المكلف بإعداد الدستور، وقطع الطريق على سن قانون "تحصين الثورة" التي تعده الحكومة التي يطالبونها اليوم بالرحيل. وللمفارقة فإن شكري بلعيد وتياره السياسي لم يكن فقط يعارض حزب "النهضة" الذي لم يكن يخفي اختلافه الإيديولوجي معه، وإنما كان أيضا وفي نفس الوقت يرفض "تبييض" أحزاب "الفلول" بما فيها "نداء تونس" الذى يحاول اليوم "إستغلال" دمه لتبييض صورته أمام الرأي العام التونسي.
نعم، الإسلاميون الموجودن في رآسة الحكومة مسؤولون عن جريمة اغتيال بلعيد، لأن من مسؤولية من يحكم أن يحمي حياة الناس الذين هو مؤتمن عليها. لكن لا يجب الخلط بين المسؤولية السياسية والمعنوية والمسؤولية الجنائية المباشرة التي عندما سيكشف التحقيق من يقف وراءها ستتضح حقائق أخرى ربما يجهلها اليوم من يتم تجييشهم في الشارع التونسي والعربي عموما بما فيه المغربي لتجريم تيار بعينه حتى قبل أن يفتح التحقيق في الجريمة.
وإذا ما طرح السؤال حول من المستفيذ من الجريمة بطريقة أخرى، من قبيل: من المتضرر من الجريمة؟ فإن المتضرر الأول البادي للعيان اليوم هو حزب "النهضة" الذي يقود الحكومة، لأن رأس هذا الحزب هو المطلوب اليوم كقربان للتغطية على الجناة الحقيقيين (نفس الشئ حدث في المغرب بعد أحداث 16 ماي 2003، عندما اتهم حزب "العدالة والتنمية" بالمسؤولية المعنوية عن تلك التفجيرات الإرهابية وارتفعت الأصوات المطالبة بحله حتى قبل فتح التحقيق في تلك الأحداث التي مازالت لغزا غامضا). والمتضرر بدرجة ثانية من الجريمة هو تيارات الإسلام السياسي في تونس وفي غيرها من دول المنطقة، التي لا يمكن أن تنفي عن نفسها تهمة وجود متطرفين داخل صفوفها أو "أدخلوا" إلى صفوفها لتخويف الناس منها وعدم الثقة فيها. والمتضرر بالدرجة الثالثة من الجريمة هي القوى "الثورية" التي يعتبر شكري بلعيد أول ضحاياها، لكبح جماح مطالبها "الثورية"، وتبخيس جو "الحرية والديمقراطية والتعددية" الذي ناضلت ومازالت تناضل من أجل توسيع هوامشه.
أما المستفيدون من الجريمة فهم كثر... يبدأون من فلول الأنظمة التي من المفترض أن شعوبها لفظتها، ومرورا بكل الأنظمة التي مازالت جاثمة على صدور شعوبها ترفض كل تغيير، من أنظمة دول الخليج التي أفسدت الثورات العربية بأموالها القذرة، إلى الأنظمة العسكرية المنغلقة على نفسها مثل النظام الجزائري الذي لايخفي عداءه للإسلاميين، وانتهاء بالأنظمة المستبدة مثل النظام المغربي، التي تراهن على فشل تجارب الثورات العربية لتثبيت قبضتها على مقاليد السلطة من أجل المال، داخل بلدانها. والمستفيد بدرجة لاتقل عن كل هذه الأطراف هو الغرب، أو بعض دول الغرب، التي ظلت تساند الأنظمة المستبدة ضد شعوبها لعقود طويلة، من أجل الحفاظ على مصالحها التي ليست  بالضرورة هي مصالح شعوب المنطقة، ولعل التقارير الأخيرة الصادرة عن الغرب والتي تؤكد تورط مخابرات دول استبدادية بما فيها مخابرات الدولة المغربية في السجن والتعذيب بالوكالة امتثالا لأوامر أجهزة المخابرات الغربية، خير دليل على ذلك.
كان النظام في تونس، حتى قبل "ثورتها"، نموذجا يعتد به في الغرب، ويقتدي به لدى الأنظمة العربية المستبدة، وبعد الثورة هناك من حاول أن يجعل من تونس مختبرا صغيرا لكل أصحاب المصالح المتداخلة والمتقاطعة التي لا تريد نجاح الثورة، يريد كل منها أن يجرب فيه "نبتته". وبقدر ما كان النموذج التونسي في عهد بنعلي يغري الأنظمة الإستبدادية ويطمئن الأنظمة الغربية على مصالحها، شكل النموذج الذي كان في طور التبلور بعد الثورة، والذي تمثل في التحالف الفريد بين الإسلاميين المعتدلين والعلمانيين واليساريين المعتدلين، أكبر خطر على التحالف "المقدس" الذي يعاد ترميمه ما بين بقايا الأنظمة الاستبدادية، والمصالح الغربية.
ما يحصل اليوم في تونس، لايجب أن يبعدنا عن الواقع في البلدان التي شهدنا كيف تأثرت بكل ما جرى في بلاد "ثورة الياسمين"، وأحيانا تكرر بطريقة تبعث على الشك في أن طريقة "النسخ" كانت مطابقة لدرجة أنها بدت مصطنعة بشكل فج.
ثمة شك كبير في أن دم شكري بلعيد تمت إراقته لتعميد من تصدوا بالأمس لثورات شعوب المنطقة حتى ينسوا الناس خطيئة وقوفهم إلى جانب الإستبداد والفساد ليعودوا ويتحكموا في رقابهم ومصائرهم من جديد. وعلى سعاة التغيير من أهل الشهيد ورفاقه وكل من يريد أن تنجح الثورة التي انبثق من رحمها "ربيع الشعوب الديمقراطي"، أن يهدوا دمه قربانا للثورة التي ناضل من أجلها بلعيد واستشهد فداء لها. وأن يقطعوا الطريق على كل من يحاول استغلال جريمته مثل "قميص عثمان"، فنجاح الثورة هي المعركة الحقيقية التي استشهد من أجلها 

ليست هناك تعليقات: